الخميس، 13 مارس 2025

مريم الإلهة بين الفاتيكان والأدب الكاثوليكي

 #كتابي_الجديد_في_معرض_القاهرة_الدولي_للكتاب

وقعت في يدي بمحض الصدفة رواية "By the River Piedra I sat Down and Wept" ، "على ضفاف نهر بييدرا جلست وبكيت" للروائي البرازيلي الكاثوليكي المعروف باولو كويلو . 


باولو كويلو كتب روايته بلغته الأصلية "البرتغالية" ونشرها عام 1994م، وترجمها الكاتب Alan R. Clarke "ألان كلارك"من اللغة البرتغالية إلى الإنجليزية ، وأثناء قراءتي للرواية لاحظت أنها تروج لألوهية السيدة مريم العذراء رضي الله عنها وأرضاها .


ولما كانت السيدة مريم تخص المسلمين كما تخص المسيحيين، ولما كانت روايات باولو كويلو تُترجم إلى اللغة العربية وتُنشر في كثير  من البلدان العربية ، كان لزاما علي أن أناقش ما تم طرحه من معتقدات تتعلق بها.


تحولت من مرحلة القراءة للرواية إلى ترجمتها ترجمة دقيقة حتى أتبين ما يعتقده باولو كويلو بخصوص السيدة مريم ، كما بدأت في ذات الوقت دراسة العلوم المريمية التي يعتنقها الفاتيكان باعتباره المرجعية الدينية الأساسية للطائفة الكاثوليكية التي ينتمي لها باولو كويلو.


ونتائج البحث أنشرها لكم في هذا الكتاب ( مريم الإلهة بين الفاتيكان والأدب الكاثوليكي ) لتستمتعوا برواية باولو كويلو العاطفية الشيقة "على ضفاف نهر بييدرا جلست وبكيت" ، لنكتشف سويا: 

هل هدف الرواية هو الترويج لألوهية السيدة مريم العذراء من عدمه ؟ ، وهل تتفق الرواية فيما صرحت به عن مريم العذراء مع نتائج العلوم المريمية التي يعتنقها الفاتيكان ؟ ، هل تتفق مع القرارات التي أصدرها مجمع الآباء الكاثوليك ؟

من يرغب في شراء الكتاب عبر البريد ، فإن رابط إرسال طلب الشراء على بوست دار نشر ( كتبنا ) أدناه .

                                            د محمد محمود العمدة

الخطر الشيعي على الأمن القومي العربي

 

#إلى_من_يتباكون_على_بشار_الأسد
#الخطر_الشيعي_مسألة_أمن_قومي
في الوقت الذي حول فيه بشار سوريا إلى جحيم ، وحول الشعب السوري إلى أشلاء، كان يحظى بدعم كبير من بعض الحكام العرب لدرجة أنهم دعوه لحضور القمة العربية الأخيرة دون  أدني مراعاة لمشاعر الشعب السوري ، بل دون أدنى مراعاة لمشاعر الشعوب العربية جميعها .

وعندما كان الحشد الشعبي الشيعي يرتكب أفظع الجرائم في حق أهل السنة في سوريا ، كان أيضا يحظى بترحيب وتأييد حكومات عربية ، وشاهدنا فنانين وممثلين مصريين يذهبون إلى سوريا لتشجيعهم على الاستمرار في مجازرهم .

عندما نرى هذا التأييد الكاسح لطائفة الشيعة ضد السنة في أي دولة عربية، وعندما نرى حكومات عربية تتباكى على رحيل بشار الأسد وشيعته فهذا يدل على جهل هؤلاء جميعا بالخطر الشيعي ، رغم أنه خطر كبير يهدد كل الشعوب العربية حكاما ومحكومين .

كنت قد نشرت مقالين عن هذا الأمر ، وأعيد الآن نشرهما ، لعل من لا يعرفون أن الخطر الشيعي من أهم مسائل الأمن القومي المصري والعربي يتنبه لهذا الخطر، ويمنح تأييده لمن يستحق هذا التأييد، وهذا مشروط بحسن نيتهم، أما إن كانوا يؤيدون بشار لدرجة الحزن على رحيله وهم على علم بخطورته وخطورة شيعته فهذه كارثة كبرى لا حل لها إلا من الله عز وجل الذي يدبر الأمر في السماوات والأرض.
وإليكم المقالين :
                            #المقال_الأول
                  
                   #كيف_أشعل_الخميني_الثورة_الإيرانية

لا جدال في أن الخميني هو صانع الثورة الإيرانية ، وأن كتابه " الحكومة الإسلامية " والذي يسميه البعض " ولاية الفقيه " كان خريطة طريق الثورة التي سار الثوار الإيرانيون على نهجها .

لقد استطاع الخميني أن يصنع ثورة استنادا إلى عقيدة باطلة ، وهي عقيدة الشيعة الإمامية الإثني عشرية ، تلك العقيدة القائمة على أن وجود إمام يحكم المسلمين بعد وفاة النبي ( ص ) هو فريضة إسلامية ، الإمام إذن عند الشيعة هو من يقوم مقام النبي صلى الله عليه وسلم ، فكما أن النبي صلى الله عليه وسلم ومن سبقه من الأنبياء كانوا حجة على الناس لأنهم أبلغوا الرسالة، فكذلك لابد من إمام في كل زمن ليكون حجة علي الناس، ولا يخلو عندهم زمن من الأزمان من الحجة .

الإمام عندهم معصوم من كل خطأ صغيرا كان أو كبيرا ، والإمام موصوف بأوصاف تكاد أن تجعل منه إلها أو بالأدنى موصوفا بصفات إلهية، فهو يعلم الغيب، وهو يجمع العلوم من عهد آدم وحتي تقوم الساعة، وهو لا يخطئ ، والإمام لا يختاره المسلمون، وأنّى لهم أن يختاروه، وإنما يختاره ربه .

وتعيين الإمام الأول من منظورهم " سيدنا علي بن أبي طالب " تم بوصية النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم أوصى سيدنا علي بن أبي طالب لابنيه الحسن والحسين رضي الله عنهما وحفيده علي بن الحسين ، وهكذا يوصي كل إمام لمن بعده .

وحين سقطت نظرية الإمامة - وهي ساقطة منذ وضعها - والتي كانت تزعم أن الإمامة سوف تظل تنتقل في ذرية سيدنا علي حتى يوم القيامة - باختفاء الإمام الثاني عشر وانقطاع سلسلة توريث الأئمة - ، تحول الإمام الثاني عشر إلى شخصية أسطورية اختفت لتعود يوما ما لتملأ الأرض عدلا ورخاءً " المهدي المنتظر ".

بعض مراجع الشيعة تفيد أن الإمام الحادي عشر لم ينجب ولدا مما أثار حيرة الشيعة بشأن نظرية الإمامة التي ابتدعوها وتصوروا أنها سوف تظل مستمرة ليوم القيامة في ذرية سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، والبعض يقول أنه أنجب ولدا أسماه محمد وهو الإمام الثاني عشر لكنه اختفى في صغره .

بعد اختفاء الإمام الثاني عشر محمد بن علي بن الحسن عام ٢٦٠ه‍ فيما سمي عند الشيعة بالغيبة الصغرى ثم الكبرى ، أصبح الشيعة في مأزق لاسيما بعد أن طالت غيبته قرابة الألف عام أو يزيد وهم يرون أن الدين لا يقوم إلا بالإمام  .

ولكي يحل الشيعة الإثنى عشرية هذه المشكلة ادعوا أن الإمام الثاني عشر لم يمت وأنه غائب ، وأنه هو المهدي المنتظر الذي سيظهر آخر الزمان .

ورغم ذلك استمرت مشكلة الشيعة الإثنى عشرية قائمة طيلة ألف عام، كيف نقيم الدين بدون إمام ، إلى أن تمكن الخميني من حل هذه المعضلة في كتابه " الحكومة الإسلامية ".

كتاب " الحكومة الإسلامية " عبارة عن ثلاث عشرة محاضرة ألقاها على طلّاب العلوم الدينيّة في النجف عام ١٩٦٩م تحت عنوان "ولاية الفقيه".

وفي عام ١٩٧٠م طُبعت هذه المحاضرات في بيروت من قِبَل أنصار الخميني ، ثمّ أُرسلت إلى إيران سراً ، كما أُرسلت في الوقت نفسه إلى أوروبا وأمريكا وصولاً إلى أفغانستان وباكستان.

وفي عام ١٩٧٧م طُبع كتاب " الحكومة الإسلامية " في إيران ولكن تحت اسم: " رسالة من الإمام الموسويّ كاشف الغطاء .

الكتاب كما قلنا حل مشكلة الإمام الغائب ، حيث جعل الفقهاء هم البديل عن الإمام حتى يعود ، وعلى حد قول الخميني:
" كل ما ثبت للرسول ( ص ) وللأئمة من بعده يثبت للفقيه " ،
ثم وضع تصورا للحكومة الإسلامية قائما على ولاية الفقيه ، كما وضع تصورا للحكومة الإسلامية في ظل فكرة " ولاية الفقيه " .

كانت إيران تحت حكم الشاه / محمد رضا بهلوي الموصوف بالعمالة لأمريكا حين أصدر الخميني كتاب " الحكومة الإسلامية ".
وبعد أن وضع الخميني في كتابه أفكاره عن الحكومة الإسلامية والثورة السياسية أخبر الشباب بأن تشكيل هذه الحكومة هي مهمتهم ، حيث يقول :
وقد طرحنا الموضوع على بساط البحث ، فعلى أجيال الغد أن تتعمّق بعزمٍ وثبات وروح مثابرة لا سبيل لليأس والقنوط إليها، وسيوفّقون بإذن الله إلى التوصّل إلى تشكيل الحكومة ، وتنظيم سائر الشؤون بتبادل وجهات النظر المخلصة الموضوعيّة النزيهة ، وتتسلّم بإذن الله أعمال الحكومة الإسلاميّة أيدٍ أمينة عارفة خبيرة وحكيمة رساليّة ذات عقيدة راسخة ، وتقطع أيدي الخونة الّتي تمتدّ إلى الحكم أو الوطن أو بيت مال المسلمين ، وإنّ الله على نصرهم لقدير.

جعل الخميني مطلب الاستقلال والتحرر من هيمنة الدول الاستعمارية على رأس أسباب الثورة ، وتحدث عن ذلك في العديد من المواضع ، حيث يقول :
- وبعد ذلك أيضاً اتفق المستعمرون الأمريكيون وغيرهم مع الانجليز ، وساروا معاً مشتركين في تطبيق هذه المخططات . عندما كنت في همدان ـ في وقت ما ـ أراني أحد طلاب الحوزة ورقة كبيرة قد وضعت عليها علامات بالأحمر. وحسب قوله فإنّ هذه العلامات الحمراء إشارات إلى الثروات الطبيعية المخزونة الموجودة في إيران ، والتي قد اكتشفها الخبراء الأجانب .
درس الخبراء الأجانب بلادنا ، وتعرفوا إلى أماكن وجود ثرواتنا الطبيعية من ذهب ونحاس ونفط وغير ذلك . وفهموا نفسياتنا ، ووزنوا مستوى روحية الأشخاص في بلادنا . وعلموا أن الشيء الوحيد الذي يشكل سدّاً في مقابلهم ، ويمنع خططهم من التنفيذ ، هو الإسلام وعلماؤه .
لقد تعرف هؤلاء إلى قوة الإسلام الذي وصلت سيطرته إلى أوربا ، وعلموا أنّ الإسلام الحقيقي معارض لما يريدون . كما أدركوا أيضاً أنهم لا يستطيعون الهيمنة على علماء الدين الحقيقيين والتصرف بفكرهم ، لذا سعوا من البداية لإزالة هذه الشوكة من طريق سياستهم ، وإلى إضعاف الإسلام والقضاء على مؤسسة علماء الدين ، وقاموا بذلك أيضاً من خلال دعايات السوء بنحو صار فيه الإسلام يبدو بنظرنا هذه الأيام أنه لا يتجاوز عدة مسائل .
- وقد استعان المستعمرون بعملاء لهم في بلادنا من أجل تنفيذ مآربهم الاقتصاديّة الجائرة . وقد نتج عن ذلك وجود مئات الملايين من الناس جياعاً ، ويفتقدون أبسط الوسائل الصحيّة والتعليميّة ، وفي مقابلهم أفراد ذوو ثراء فاحش وفساد عريض . والجياع من الناس في كفاحٍ مستمر من أجل تحسين أوضاعهم ، وتخليص أنفسهم من وطأة جور حكّامهم المعتدين ، ولكنّ الأقليّات الحاكمة وأجهزتها الحكوميّة هي الأخرى تسعى إلى إخماد هذا الكفاح . أمّا نحن فمكلّفون بإنقاذ المحرومين والمظلومين.  نحن مأمورون بإعانة المظلومين ومناوأة الظالمين .
- ابتُليت الحركة الإسلاميّة من أوّل أمرها باليهود ، حينما بدأوا نشاطهم المضادّ ، بالتشويه لسمعة الإسلام ، والوقيعة فيه ، والافتراء عليه ، واستمرّ ذلك إلى يومنا هذا. ثمّ كان دورٌ كبير لفئاتٍ يُمكن أن تُعتبر أشدّ بأساً من إبليس وجنوده . وقد برز ذلك الدور في النشاط الاستعماريّ الّذي يعود تاريخه إلى ما قبل ثلاثة قرون .
وقد وجد المستعمرون في العالَم الإسلاميّ ضالّتهم المنشودة ، وبغية الوصول إلى مطامعهم الاستعماريّة سعوا في إيجاد ظروف ملائمة تنتهي بالإسلام إلى العدم . ولم يكونوا يقصدون إلى تنصير المسلمين بعد إخراجهم من الإسلام ، فهم لا يؤمنون بأيٍّ منهما ، بل أرادوا السيطرة والنفوذ ، لأنّهم أدركوا دائماً وفي أثناء الحروب الصليبيّة ، أنّ أكبر ما يمنعهم من نيل مآربهم ، ويضع خططهم السياسيّة على شفا جرفٍ هار ، هو الإسلام : بأحكامه ، وعقائده ، وبما يملك الناس به من إيمان . لأجل هذا تحاملوا عليه وأرادوا به كيداً . وتعاونت على ذلك أيدي المبشِّرين ، والمستشرقين ، ووسائل الإعلام ، وكلّها تعمل في خدمة الدول الاستعماريّة ، من أجل تحريف حقائق الإسلام ، بشكلٍ جعل كثيراً من الناس ، والمثقّفين منهم بشكلٍ خاصّ ، بعيدين عن الإسلام ، ولا يكادون يهتدون إليه سبيلاً .
- المخطط هو أن يبقونا ، وعلى الحال التي نحن فيها من الحياة المنكوبة لكي يتمكنوا من استغلال ثرواتنا ومنابعنا الطبيعية وأراضينا وطاقاتنا البشرية . يريدون لنا أن نبقى غرقى في المشاكل والعجز ، وأن يبقى فقراؤنا بهذه التعاسة ، ولا يخضعوا لأحكام الإسلام التي تحل مشكلة الفقر والفقراء ، ولكي يبقوا هم وعملاؤهم في القصور الفخمة مستمرين في تلك الحياة المرفهة.
- وبالنسبة لمن يعارضون كل صوت يدعو للحياة الحرة والاستقلال من تحت هيمنة الآخرين ، وإلى منع الانجليز والأمريكان من الهيمنة علينا إلى هذه الدرجة ، وإلى مواجهة إسرائيل في اعتداءاتها على المسلمين . علينا في البدء أن ننصحهم ونوقظهم وننبههم إلى الخطر ، إلى جرائم إسرائيل من قتل وتهجير ، وإلى دعم الانجليز وأمريكا لها .
كذلك وجه الخميني النقد اللاذع لنظام شاه إيران / محمد رضا بهلوي واصفا إياه بالعمالة لدول أجنبية ، فضلا عن وصفه بالفساد والاستيلاء على ثروات الشعب ،........
- هذا أكلٌ للسحت على نطاقٍ عالميّ ، وهو منكرٌ فظيع خطر ، ليس هناك ما هو أشدّ منه فظاعةً وخطراً ونكراً . تأمّلوا في أوضاع مجتمعنا ، وفي أعمال الدولة وأجهزتها لتتبيّن لكم أشكال فظيعة من أكل السحت. فإذا حدثت زلزلة في مكانٍ ما من البلاد غَنِم بذلك الحكّام قبل المنكوبين أموالاً طائلة.  في المعاهدات والاتفاقيّات المعقودة بين الحكّام الخائنين مع الدول أو الشركات الأجنبيّة ، تنصبّ في جيوب الحكّام ملايين كثيرة ، وتنصبّ ملايين أخرى في جيوب الأجانب ، من دون أن يحصل أبناء الشعب على شيءٍ من ثروات بلادهم .  هذه أشكالٌ من أكل السحت تجري بمسمعٍ منّا ومرأى ، وما لا نعلمه كثير . ونظير ذلك يقع في الاتفاقيّات التجاريّة وامتيازات التنقيب عن النفط واستخراجه ، وامتيازات استثمار الغابات ، وسائر الموارد الطبيعيّة ، والاتفاقيّات العمرانيّة أو ما يتّصل بالمواصلات وشراء الأسلحة من الاستعماريّين الغربيّين أو الشيوعيّين.  يجب علينا أن نُقاوم أكل السحت ونهب الثروات الوطنيّة ، وهذا واجب على جميع الناس .

- وقد تطفو على سطح بعض الصحف بعض أعمال السلب والاختلاس فيما يتعلّق بالتبرّعات الخاصّة بإغاثة منكوبي الفيضانات والسيول أو الزلازل  .أحد علماء "ملاير " كان يقول : في حادثة ذهب ضحيّتها الكثيرون أرسلنا سيارة شحن مليئة بالأكفان ، إلّا أنّ المسئولين كانوا يمنعوننا في إيصالها ، ويُريدون أن يأكلوها!  لأجل هذا وأمثاله من الآثام قد ورد .

ثم يطالب الخميني العلماء بأن يقوموا بدورهم في الثورة من أجل الخلاص من الحاكم المستبد ومن ظلمه ، فيقول :
- فالله يعيب على المفرّطين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خوفاً وطمعاً ويقول  :﴿ فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ ﴾  . لماذا الخوف ؟ فليكن حبساً ، أو نفياً ، أو قتلاً ، فإنّ أولياء الله يشرون أنفسهم ابتغاء مرضاة الله ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ ﴾.

- فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر  دعاءٌ إلى الإسلام مع ردّ المظالم ومخالفة الظالم ، فينبغي توجيه أكبر قدر من الأمر والنهي إلى العابثين بأرواح الناس وأموالهم وممتلكاتهم. 

- ماذا يضرّ لو هبّ العلماء وصاروا يداً واحدة في وجه الظلم ؟ ما ضرّهم لو اعترضوا جميعاً .......

- وإنّما عاب الله ذلك عليهم لأنّهم كانوا يرون من الظلمة الّذين بين أظهرهم المنكر والفساد فلا ينهونهم عن ذلك , رغبةً فيما كانوا ينالون منهم ، ورهبةً ممّا يحذرون " . فالله يعيب على المفرّطين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خوفاً وطمعاً ويقول : ﴿ فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ ﴾.

- وعلماء الإسلام مكلّفون بمناضلة المستغلِّين الجشعين لئلّا يكون في المجتمع سائلٌ محروم ، مقابل مرفّه جشع أصابه بطر . كيف يسوغ لنا اليوم ، أن نسكت عن بضعة أشخاص من المستغلِّين والأجانب المسيطرين بقوّة السلاح ، وهم قد حرموا مئات الملايين من الاستمتاع بأقلّ قدر من مباهج الحياة ونعمها . فواجب العلماء وجميع المسلمين أن يضعوا حدّاً لهذا الظلم ، وأن يسعوا من أجل سعادة الملايين من الناس ، في تحطيم الحكومات الجائرة وإزالتها ، ........

ويطالب الخميني الثوار بضرورة التحرك ومقاومة نظام الشاه الفاسد العميل المستبد حتي ولو لم يكن في قدرتهم الخلاص منه بشكل تام ، فالمهم عنده البدء في التحرك والاعتراض علي المظالم والاستعانة بوسائل إعلام لفضح النظام وتحريك قوي الثورة ، حيث يقول :
-  وأنتم اليوم لا تملكون القدرة على مقاومة بدع الحكّام ، أو دفع هذه المفاسد دفعاً تامّاً ، ولكن لماذا السكوت ؟ هؤلاء يُذلّونكم فاصرخوا في وجوههم على الأقل ، واعترضوا ، وأنكروا ، وكذّبوهم ، لا بُدّ في مقابل ما يملكون من وسائل النشر والإعلام أن يكون في جانبكم شيء من تلك الوسائل حتّى تُكذّبوا ما ينشرون وما يبثّون , من أجل أن تُظهروا للناس أنّ ما يدّعونه من العدالة ليس من العدالة الإسلاميّة في شيء. فالعدالة الإسلاميّة الّتي منحها الله للفرد والمجتمع والعائلة قد دُوِّنت وشُرِّعت بكلّ دقّة من أوّل يوم . يجب أن يكون لكم صوت مسموع حتّى لا تتّخذ الأجيال القادمة من سكوتكم ما يُبرِّر أعمال الظلمة من قول الإثم وأكل السحت ، وأكل أموال الناس بالباطل .

ثم يطالب الخميني الثوار بضرورة مواجهة فقهاء الملوك والسلاطين الذين يراهم ركن أصيل من أركان الفساد من خلال تضليلهم للناس ليخضعوا للحاكم العميل الفاسد المستبد ، فيقول :

- إنّ هؤلاء ليسوا فقهاء الإسلام ، والكثير منهم قد عمّمهم السافاك ( جهاز الأمن عند الشاه ) ليدعوا وليسبحوا بحمد الشاه وجلاله ، ويكون عندهم البديل فيما لو لم يتمكّنوا من إجبار أئمة الجماعة عن الحضور في الأعياد وسائر المراسم ، ولقد منحوه لقب جل جلاله مؤخراً ! هؤلاء ليسوا بفقهاء ، وباتوا معروفين والناس صارت تعرفهم . على شبابنا أن ينزعوا عمائم هؤلاء المعممين الذين يقومون بفساد كهذا في مجتمعنا باسم فقهاء الإسلام وعلمائه. لست أدري هل مات شبابنا في إيران ؟ أين هم ؟ عندما كنا هناك لم يكن الأمر كذلك . لِمَ لا ينزعون عمائم هؤلاء ؟ لم أقل اقتلوهم ، فإنهم لا يُقْتَلون . لكن انزعوا عمائمهم . إن شعبنا مكلف ، وشبابنا الغيور في إيران مكلف بعدم السماح لهؤلاء المعممين (الناطقين بجلاله) بالظهور كمعممين في أماكن تجمعنا ، وبالتحرك كمعممين بين الناس . ليس من الضروري الإكثار من ضربهم وتأديبهم ، لكن لينزعوا عمائمهم ، وليمنعوهم من الظهور بالعمائم . هذا اللباس شريف ، فلا يجب أن يرتديه أي كان .
لقد ذكرت أنّ علماء الإسلام منزَّهون عن هذه الأمور ، ولم يكونوا ـ ولا هم حالياً كذلك ـ ضمن هذه الأجهزة . وأولئك التابعون لهذه الأجهزة إنما هم من الفارغين ، الذين ألصقوا أنفسهم بالمذهب وبالعلماء ، ووضعهم مختلف ، والناس يعرفونهم .

ثم يحذر الخميني الشباب من أكاذيب النظام وتضليله فيقول :
لقد غرسوا في أذهانكم من البداية أنّ السياسة تعني الكذب وما شابه ذلك من المعاني ، لكي يبعدوكم عن أمور البلاد ، بينما يتصرفون هم كما يريدون.

ثم يطالب الثوار بمقاطعة المؤسسات الحكومية وعدم التعاون معها فيقول :
لنقطع علاقاتنا بالمؤسسات الحكومية ونمتنع عن التعاون معها ، ونرفض القيام بكل ما من شأنه أن يُعَدَّ عوناً لهم ، ونبني مؤسسات قضائية ومالية واقتصادية وثقافية وسياسية جديدة .

وأخيرا يحذر الخميني الثوار من اليأس فيقول :
يجب أن نحمل هم هذه الأمور . ولا يجب أن نيأس . لا تتصوروا أنّ هذا الأمر لا يتحقق . والله يعلم أن كفاءتكم ولياقتكم ليست بأقل من الآخرين .

وبالفعل اعتنق الشعب الإيراني فكرة الحكومة الإسلامية القائمة على فكرة ولاية الفقيه ، ونفذ خريطة طريق الثورة التي وضعها الخميني في كتاب الحكومة الإسلامية ، وقبل أن تمر عشر سنوات كان الشعب الإيراني قد أسقط الشاه / محمد رضا بهلوي ، وتم تنفيذ الحكومة الإسلامية على النحو الذي رسمه الخميني .

وللأسف لم ينجح فقط كتاب الثورة الإسلامية في إسقاط النظام الإيراني العميل وبناء نظام جديد ، بل تم  مد نفوذ ولاية الفقيه الإيراني إلى كل من سوريا والعراق بشكل كامل وبشكل جزئي في بعض الدول العربية الأخرى مثل لبنان واليمن ، على ضوء مفهوم الثورة الإسلامية التي وضعها الخميني ،

فسلطة الإمام كما ذكرنا وفقا لمذهب الشيعة الإثنى عشرية الباطل تمتد لكافة المسلمين على سطح الكرة الأرضية ، والثورة الخمينية هي لإسقاط كافة الأنظمة التي لا تخضع للإمام والولي الفقيه باعتبارها من وجهة نظره حكومات طواغيت خارجة عن الحكم الشرعي للحكومة الإسلامية الخمينية صاحبة الولاية على كل مسلمي العالم ا

                                #المقال_الثاني
              الثورة الإيرانية واحتلال إيران للدول الإسلامية .

الخميني ، تقول عنه الموسوعة الحرة :

السيد روح الله بن مصطفى بن أحمد الموسوي الخميني ، رجل دين سياسي إيراني من مواليد ٢٤  سبتمبر ١٩٠٢م وتوفى في  ٣ يونيو ١٩٨٩م، حكم إيران في الفترة من (١٩٧٩م-١٩٨٩م) وكان فيلسوفاً ومرجعاً دينياً شيعياً أيضاً ، قاد الثورة الإيرانية حتى أطاح بالشاه محمد رضا بهلوي المعروف بالبهلوي الثاني والذي سبقه الشاه رضا بهلوي . وكان كالأب الروحي لعدد من الشيعة داخل إيران وخارجها. درجته الحوزوية آية الله وتضاف إليها العظمى لأنه بلغ الاجتهاد في نظر الشيعة وأصدر رسالته العلمية ، أي مجموعة فتاواه في العبادات والمعاملات في الإسلام.  وسمته مجلة التايم الأمريكية برجل العام في سنة ١٩٧٩م  .

ونضيف أن من مؤلفات الخميني كتاب " الحكومة الإسلامية " وهو عبارةٌ عن ثلاث عشرة محاضرة ألقاها على طلّاب العلوم الدينيّة في النجف عام ١٩٦٩م تحت عنوان "ولاية الفقيه".
وفي عام ١٩٧٠م طُبعت هذه المحاضرات في بيروت من قِبَل أنصار الخميني ، ثمّ أُرسلت إلى إيران سراً ، كما أُرسلت في الوقت نفسه إلى أوروبا وأمريكا وصولاً إلى أفغانستان وباكستان.
وفي عام ١٩٧٩م طُبع كتاب " الحكومة الإسلامية " في إيران ولكن تحت اسم: " رسالة من الإمام الموسويّ كاشف الغطاء".

يمكن أن نقول أن كتاب " الحكومة الإسلامية " أو " ولاية الفقيه " هو ذلك الدستور الذي بنيت عليه إيران ما بعد الثورة الإيرانية .
الكتاب يكشف لنا أن أهداف الثورة الإيرانية وما قامت عليه من أفكار غير محصورة في إزالة نظام حكم فاسد ومستبد في إيران ، بل يسعى إلى فرض ولاية الفقيه على كافة الدول الإسلامية المحيطة ، لأن سلطة الإمام – والذي يقوم الولي الفقيه مقامه مؤقتا - وفقا لمذهب الشيعة الإثنى عشرية تمتد لكافة المسلمين على سطح المعمورة .

إيران الشيعية إذن تسعي لاحتلال كافة الدول الإسلامية المحيطة بها ، وإخضاعها لولاية الفقيه ، وفرض الوحدة الإسلامية بالقوة ، ومن لا يصدق فليقرأ ما قاله الخميني تحت عنوان "ضرورة الثورة السياسيـّة" حيث يقول :
في صدر الإسلام سعى الأمويّون ومن يُسايرهم لمنع استقرار حكومة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام مع أنّها كانت مُرضية لله وللرسول صلى الله عليه وآله وسلم. وبمساعيهم البغيضة تغيّر أسلوب الحكم ونظامه وانحرف عن الإسلام ، لأنّ برامجهم كانت تُخالف وجهة الإسلام في تعاليمه تماماً .

وجاء من بعدهم العبّاسيّون ، ونسجوا على نفس المنوال . وتبدّلت الخلافة ، وتحوّلت إلى سلطنة وملكيّة موروثة ، وأصبح الحكم يُشبه حكم أكاسرة فارس ، وأباطرة الروم ، وفراعنة مصر ، واستمرّ ذلك إلى يومنا هذا.

الشرع والعقل يفرضان علينا ألّا نترك الحكومات وشأنها. والدلائل على ذلك واضحة ، فإنّ تمادي هذه الحكومات في غيّها يعني تعطيل نظام الإسلام وأحكامه. في حين توجد نصوص كثيرة تصف كلّ نظام غير إسلاميّ بأنّه شرك ، والحاكم أو السلطة فيه طاغوت . ونحن مسئولون عن إزالة آثار الشرك من مجتمعنا المسلم ، وإبعادها تماماً عن حياتنا . وفي نفس الوقت نحن مسئولون عن تهيئة الجوّ المناسب لتربية وتنشئة جيل مؤمن فاضل يُحطِّم عروش الطواغيت ، ويقضي على سلطاتهم غير الشرعيّة ، لأنّ الفساد والانحراف ينمو على أيديهم ، وهذا الفساد ينبغي إزالته ومحوه وإنزال العقوبة الصارمة بمسبّبيه. وقد وصف الله في كتابه المجيد فرعون ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ .

وفي ظلِّ حُكمٍ فرعونيّ يتحكّم في المجتمع ويُفسده ولا يُصلحه ، لا يستطيع مؤمن يتّقي الله أن يعيش ملتزماً ومحتفظاً بإيمانه وهديه. وأمامه سبيلان لا ثالث لهما : إمّا أن يُقْسَرَ على ارتكاب أعمال مُردية ، أو يتمرّد على حُكم الطاغوت ويُحاربه ، ويُحاول إزالته ، أو يُقلِّل من آثاره على الأقل . ولا سبيل لنا إلّا الثاني ، لا سبيل لنا إلّا أن نعمل على هدم الأنظمة الفاسدة المفسدة ، ونُحطِّم زمر الخائنين والجائرين من حكّام الشعوب.
هذا واجب يُكلَّف به المسلمون جميعاً أينما كانوا ، من أجل خلق ثورة سياسيّة إسلاميّة ظافرة منتصرة.

كذلك قال الخميني تحت عنوان "ضرورة الوحدة الإسلاميـّة" :
ومن جهة أخرى فقد جزّأ الاستعمار وطننا ، وحوّل المسلمين إلى شعوب. وعند ظهور الدولة العثمانيّة كدولة موحّدة سعى المستعمرون إلى تفتيتها. لقد تحالف الروس والإنكليز وحلفاؤهم وحاربوا العثمانيّين ، ثمّ تقاسموا الغنائم كما تعلمون. ونحن لا ننكر أنّ أكثر حكّام الدولة العثمانيّة كانت تنقصهم الكفاءة والجدارة والأهليّة ، وبعضهم كان مليئاً بالفساد ، وكثير منهم كانوا يحكمون الناس حُكماً مَلكيّاً مطلقاً. ومع ذلك كان المستعمرون يخشون أن يتسلّم بعض ذوي الصلاح والأهليّة ـ من الناس وبمعونة الناس ـ منصّة قيادة الدولة العثمانيّة على وحدتها وقدرتها وقوّتها وثرواتها ، فيبدّد كلّ آمال الاستعماريّين وأحلامهم . لهذا السبب ما لبثت الحرب العالميّة الأولى أن انتهت حتّى قسّموا البلاد إلى دويلات كثيرة ، وجعلوا على كلّ دويلة منها عميلاً لهم ، ومع ذلك فقد خرج قسم من هذه الدويلات بعد ذلك عن قبضة الاستعمار وعملائه.
ونحن لا نملك الوسيلة إلى توحيد الأمّة الإسلاميّة وتحرير أراضيها من يد المستعمرين ، وإسقاط الحكومات العميلة لهم ، إلّا أنّنا نسعى إلى إقامة حكومتنا الإسلاميّة ، وهذه بدورها سوف تتكلّل أعمالها بالنجاح يوم تتمكّن من تحطيم رؤوس الخيانة ، وتدمّر الأوثان والأصنام البشريّة والطواغيت الّتي تنشر الظلم والفساد في الأرض.
تشكيل الحكومة إذن يرمي إلى الاحتفاظ بوحدة المسلمين بعد تحقيقها ، وقد ورد ذلك في خطبة السيّدة فاطمة الزهراء عليها السلام  "... وطاعتنا نظاماً للملّة ، وإمامتنا أماناً من الفرقة ...".
وتحت عنوان " لنسقط الحكومات الجائرة " كتب الخميني :
لنقطع علاقاتنا بالمؤسسات الحكومية ونمتنع عن التعاون معها ، ونرفض القيام بكل ما من شأنه أن يُعَدَّ عوناً لهم ، ونبني مؤسسات قضائية ومالية واقتصادية وثقافية وسياسية جديدة.
إنّ إسقاط الطاغوت ـ أي السلطات غير الشرعية القائمة في مختلف أنحاء الوطن الإسلامي ـ هو مسؤوليتنا جميعاً. يجب أن نستبدل الأجهزة الحكومية الجائرة والمعادية للشعب بمؤسسات خدمات عامة تدار وفقاً للقانون الإسلامي ، وشيئاً فشيئاً تستقر الحكومة الإسلامية . لقد نهى الله تعالى في القرآن الكريم عن إطاعة الطاغوت والسلطات غير المشروعة ، وحث الناس على الثورة ضد السلاطين ، وأمر موسى (ع) بذلك . توجد أحاديث كثيرة تحث على محاربة الظلمة ، والذين يتصرفون بالدين . كان للأئمة (ع) ولأتباعهم ـ أي الشيعة ـ مواجهات مستمرة مع الحكومات الجائرة وسلطات الباطل ، وهذا الأمر واضح في سيرتهم ونمط حياتهم . وقد ابتلوا بحكام الظلم والجور في كثير من الأحيان ، وعاشوا في ظروف تقية وخوف شديدين . وبالطبع فإنّ خوفهم كان لأجل المذهب لا على أنفسهم ، ونلاحظ هذا الأمر كلما راجعنا الروايات . كما كان حكّام الجور يشعرون بالخوف من الأئمة (ع) باستمرار ، إذ كانوا يعلمون أنهم لو فسحوا المجال للأئمة (ع) لثاروا عليهم ، وحرَّموا عليهم حياة اللهو والترف والمجون . فعندما نرى هارون الرشيد يحبس الإمام الكاظم (ع) عدة سنوات ، أو نرى المأمون يأخذ الإمام الرضا (ع) إلى مرو ليكون تحت نظره ، ومن ثم يقوم بسمِّه ، فليس ذلك لأن الأئمة (ع) سادة وأولاد النبي (ص) بينما الرشيد والمأمون معادون للنبي ، إذ هارون والمأمون كانا شيعيين كلاهما ، وإنما كان ذلك بسبب أن المُلك عقيم . لأنهم كانوا يعلمون أنّ أولاد علي (ع) يرون الخلافة لأنفسهم ومن مسؤولياتهم ، ويصرّون على إقامة الحكومة الإسلامية . إذ عندما طُلب من الإمام (ع) أن يعيّن حدود فدك ليردُّها لهم قام الإمام (ع) ـ حسب الرواية ـ بذكر حدود البلاد الإسلامية (كحد لفدك). وهذا يعني أنه يرى حقه ما بين هذه الحدود ، وأنه هو الذي يجب أن يكون حاكماً عليه ، وأن الذين يحكمون حينها كانوا غاصبين ، فرأى أنه إذا بقي الإمام موسى بن جعفر (ع) حراً فسوف يحرّم الحياة عليهم ، ومن الممكن أن تتاح له الفرصة ، فيقوم بالثورة عليهم وانتزاع السلطة منهم ، ولذا لم يمهلوه . ولو أمهلوه لكان قام بثورته بلا شك . كونوا متيقنين أنه لو دامت الفرصة للإمام الكاظم (ع) لكان ثار، وقلب نظام حكم السلاطين الغاصبين .
كذلك المأمون قام بوضع الإمام الرضا (ع) تحت نظره ـ مع كل ما أبداه المأمون من تملق وكذب ومحابات ـ ومخاطبته له بـ "يا ابن العم" ، أو يا ابن رسول الله ، وذلك خوفاً من أن يثور يوماً عليه ويقلب أساس الحكم . إذ أنه ابن رسول الله (ص) ، وقد أوصى له ، فلا يمكن تركه في المدينة حراً طليقاً.
إنّ حكام الجور يريدون السلطة ، وهم يضحّون بكل شيء في سبيلها ، لا أنهم يمتلكون عداوة خاصة تجاه أحد . إذ لو رضي الإمام (ع) ـ والعياذ بالله ـ أن يكون من أتباع البلاط ، لعاملوه بمنتهى الإعزاز والاحترام ، ولقاموا بتقبيل يديه أيضاً ـ بحسب الرواية ـ عندما دخل الإمام (ع) على هارون أمر بأن يظل راكباً حتى يصل إلى مجلسه ، وعامله بمنتهى الاحترام . وعندما جاء وقت توزيع عطاء بيت المال ووصل الدور لبني هاشم أعطاهم مبلغاً يسيراً ، وكان المأمون حاضراً . فتعجب من ذلك الاحترام مع هذا النحو من التوزيع . فقال له هارون : يا بني أنت لا تدري . ينبغي أن لا يزيد سهم بني هاشم عن هذا المال ، إن هذا الأمر لهم ، وهم أولى به منا ، فلو مكناهم لوثبوا علينا فيجب أن يبقى بنو هاشم هكذا فقراء ، مسجونين منفيين ، مقتولين ، مسمومين ، يعيشون المعاناة ، وإلاّ لقاموا علينا ، وأبدلوا حلاوة أيامنا بالمرارة.

ولم يكتف الأئمة (ع) بأن يقوموا هم بمحاربة الأنظمة الظالمة والدولة الجائرة وأتباع البلاط الفاسدين ، بل حثُّوا المسلمين على جهادهم أيضاً. هناك أكثر من خمسين رواية في وسائل الشيعة والمستدرك والكتب الأخرى تدعو إلى الابتعاد عن السلاطين والحكام الظلمة ، وإلى وضع التراب في فم المداحين لهم . وتبين مراتب عقوبة من يناولهم دواة ، أو يملأها لهم بالحبر والخلاصة أنها تأمر بقطع العلاقات معهم ، وعدم التعاون معهم بأي شكل من الأشكال . ومن جهة أخرى وردت كل تلك الروايات في مدح وتفضيل العالم والفقيه العادل ونبهت إلى أفضليتهم على سائر الناس . فهذا كله يمثّل خطة وضعها الإسلام لتشكيل الحكومة الإسلامية ، وذلك من خلال إبعاد الناس وصرفهم عن الأنظمة الظالمة ، وتخريب بيوت الظلم ، وفتح أبواب الفقهاء ـ العدول المتقين المجاهدين العاملين في سبيل تطبيق الأحكام الإلهية ، وإقامة النظام الإسلامي ـ أمام الناس.

لن يتمكن المسلمون من العيش في أمن وهدوء ـ مع حفظ إيمانهم وأخلاقهم الفاضلة ـ إلاّ في كنف حكومة العدل والقانون ، الحكومة التي وضع الإسلام نظامها وطريقة إدارتها وقوانينها . فتكليفنا اليوم هو تطبيق مشروع الحكومة الإسلامية وترجمته في ساحة العمل.
آمل أن يؤدي بيان وتعريف نمط الحكومة ، والأصول السياسية والاجتماعية للإسلام للمجاميع البشرية الكبيرة ، إلى إيجاد تيار فكري ، وقوة ناتجة من نهضة الشعب تكون العامل في استقرار النظام الإسلامي .

كلام واضح وصريح من الخميني في كتاب " الحكومة الإسلامية " والذي يسميه البعض " ولاية الفقيه " يقطع بأن احتلال الدول الإسلامية ومد نفوذ الولي الفقيه إليها هو أحد الأهداف الأساسية لإيران ما بعد الثورة ، وهو هدف مرتبط باعتقاداتهم الباطلة بشأن الإمامة المفروضة والتي فرعت عن الإسلام تركة اسمها " الحكم " ، يرثها أقارب النبي (ص) من جهة ابن عمه سيدنا علي بن أبي طالب وزوجته فاطمة بنت النبي (ص) .

وهكذا نجح الخميني بكتابه " الحكومة الإسلامية " الذي صدر عام ١٩٧٠م في أن يقيم ثورة بعدها بتسع سنوات تخلع نظام الشاه محمد رضا بهلوي المدعوم من أمريكا وبريطانيا وإسرائيل والغرب ، كما نجح في تحقيق أهدافه في مد النفوذ الشيعي بعد أن أصبحت العراق وسوريا الآن تحت الحكم الشيعي .

أما الحكام العرب الذين وصفهم الخميني بأنهم عملاء فهم يدعمون أمريكا وإيران في مد ولاية الفقيه إلى سوريا والعراق ، وهم يعلمون أن إيران سوف تحتل بلادهم ، لكنهم مطمئنون أنهم ساعتها سيكونون في عداد الأموات ، وأحفادهم هم من سيعانون مما عانى منه  المسلمون السنة في حلب والموصل وباقي المدن العراقية والسورية .ا

فهل كان من الطبيعي إذن أن نجد مواطن أو حكومات عربية تؤيد بشار في بطشه وتنكيله بالمسلمين من أهل السنة ، وهل من الطبيعي أن نجد من بين الحكومات العربية أو الشعوب العربية من يحزن على رحيل بشار الأسد وشيعته ويسعى إلى إعادتهم للحكم بعد أن دفنوا الشعب السوري لاسيما السني في أعماق الأرض بجانب طبقة الأرض النارية .
اللهم بلغت ، اللهم بلغت اللهم فاشهد .

الخميس، 6 فبراير 2025


 #مريم_الإلهة_بين_الفاتيكان_والأدب_الكاثوليكي

وقعت في يدي بمحض الصدفة رواية "By the River Piedra I sat Down and Wept" ، "على ضفاف نهر بييدرا جلست وبكيت" للروائي البرازيلي الكاثوليكي المعروف باولو كويلو . 


باولو كويلو كتب روايته بلغته الأصلية "البرتغالية" ونشرها عام 1994م، وترجمها الكاتب Alan R. Clarke "ألان كلارك"من اللغة البرتغالية إلى الإنجليزية ، وأثناء قراءتي للرواية لاحظت أنها تروج لألوهية السيدة مريم العذراء رضي الله عنها وأرضاها .


ولما كانت السيدة مريم تخص المسلمين كما تخص المسيحيين، ولما كانت روايات باولو كويلو تُترجم إلى اللغة العربية وتُنشر في كثير  من البلدان العربية ، كان لزاما علي أن أناقش ما تم طرحه من معتقدات تتعلق بها.


تحولت من مرحلة القراءة للرواية إلى ترجمتها ترجمة دقيقة حتى أتبين ما يعتقده باولو كويلو بخصوص السيدة مريم ، كما بدأت في ذات الوقت دراسة العلوم المريمية التي يعتنقها الفاتيكان باعتباره المرجعية الدينية الأساسية للطائفة الكاثوليكية التي ينتمي لها باولو كويلو.


ونتائج البحث أنشرها لكم في هذا الكتاب ( مريم الإلهة بين الفاتيكان والأدب الكاثوليكي ) لتستمتعوا برواية باولو كويلو العاطفية الشيقة "على ضفاف نهر بييدرا جلست وبكيت" ، لنكتشف سويا: 

هل هدف الرواية هو الترويج لألوهية السيدة مريم العذراء من عدمه ؟ ، وهل تتفق الرواية فيما صرحت به عن مريم العذراء مع نتائج العلوم المريمية التي يعتنقها الفاتيكان ؟ ، هل تتفق مع القرارات التي أصدرها مجمع الآباء الكاثوليك ؟

من يرغب في شراء الكتاب عبر البريد ، فإن رابط إرسال طلب الشراء على بوست دار نشر ( كتبنا ) أدناه .

                                            د محمد محمود العمدة

الأحد، 15 سبتمبر 2024

انجازات قسطنطين العظيم ( ذو القرنين الحاكم الصالح ).

 #انجازات_قسطنطين_العظيم_ذو_القرنين_الحاكم_الصالح

عرضنا في المنشور السابق مختصر للأدلة التي ترجح رجحانا كبيرا أن الإمبراطور الروماني قسطنطين العظيم هو ذو القرنين الحاكم الصالح الذي أخبرنا الله عز وجل قصته في سورة الكهف موضحا لنا أنه كان مؤمنا ونصيرا للمؤمنين وسيفا مسلطا على الظالمين بقوله تعالى :

(  قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوۡفَ نُعَذِّبُهُۥ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِۦ فَيُعَذِّبُهُۥ عَذَابٗا نُّكۡرٗا (87) وَأَمَّا مَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَهُۥ جَزَآءً ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَسَنَقُولُ لَهُۥ مِنۡ أَمۡرِنَا يُسۡرٗا (88) )

ومن يمدحه الله عز وجل لا يمكن أن يذمه الناس ، بل حتما سيمدحه الناس حتى لو كفروا بما جاء به ، فكما مدح الله عز وجل ذي القرنين، مدح الناس قسطنطين العظيم على مر التاريخ ، وها هو  ( ويل ديورانت ) المؤرخ العظيم يقول في موسوعته ( قصة الحضارة ) أن قسطنطين العظيم هو أعظم الأباطرة الرومان على الإطلاق.

وأما عن إنجازات قسطنطين العظيم فهي أيضا ترجح أنه ذو القرنين الحاكم الصالح الذي ينبغي أن يرجع الناس جميعا في كل أنحاء العالم لتاريخه ، ويدرسون سياساته ومعاملاته حتى يتعلموا منها كيف تُحكم الدول ، وكيف تُدار شئون الشعوب .

كانت الإمبراطورية الإغريقية قائمة في أكثر مراحلها التاريخية على الحكم الجبري المستبد ، وجاءت الإمبراطورية الرومانية من بعدها لتسير على ذات النهج وبدرجة أشد عنفا وقسوة. 

قبل قسطنطين وفي زمنه كان الأباطرة يضطهدون المسيحيين اضطهادا مروعا، ليس المسيحيين فقط، بل كل من يخرج عن الطاعة من الرعية، فخرج قسطنطين من بينهم كالزهرة التي تتفتح من بين فروع شجرة من الشوك.

يزعمون أن معاهدة وستفاليا تعد من بدايات الأعمال القانونية وحجر الأساس لنشأة القانون الدولي، وينسبون للثورة الإنجليزية والفرنسية والأمريكية الفضل في ظهور مفهوم الدولة المدنية الحديثة، لكن أحدا لم يعط قسطنطين حقه في إرساء قواعد الحكم الرشيد ، والذي نسميه في عصرنا الحاضر " الحكم الديمقراطي " أو بالمصطلح الإسلامي " حكم الشورى "، رغم أن السياسات التي اتخذها في هذا الشأن سابقة للثورة الفرنسة بنحو أربعة عشر قرنا.

لقد عايشت قسطنطين العظيم حتى فضلت أن يأتي الحديث عن انجازات قسطنطين على لسان قسطنطين نفسه، فتخيلته يقول عن انجازاته :

إن حياتي تكشف لكم أن الشورى أو الديمقراطية كانت ظاهرة واضحة المعالم فيما اتخذته من سياسات وما أصدرته من تشريعات وقرارات، وفيما يلي بعض مظاهر الديمقراطية الأساسية التي تجلت في سيرتي :

#أولا:  #قسطنطين_جاء_بإرادة_الشعب:

ذكرت لكم من قبل أن والدي قسطانطيوس كان حسن السيرة، وأنه كان الوحيد من أباطرة الحكم الرباعي للإمبراطورية الرومانية الذي لم يضطهد المسيحيين في منطقة نفوذه وأنه كان حسن المعاملة مع كل الرعية، وأنني سرت على نهج أبي، ولذا وبعد وفاة والدي، تمسكت الرعية بأن أتسلم الحكم بدلا منه.

يقول "يوسابيوس القيصري" - أبو التاريخ الكنسي في نظر جميع المؤرخين المسيحيين -

" وعلاوة على هذا فقد تملكته الرغبة في الاقتداء بأبيه، وهذا دفع الابن إلى السلوك في طريق الفضيلة، كان أبوه قسطانطيوس - وخليق بنا إحياء ذكراه الآن أبرز إمبراطور في عصرنا، حيث كان واحداً من بين أربعة أباطرة يشتركون معا في وقت واحد في إدارة شئون الإمبراطورية الرومانية، إلا أنه سلك طريقاً يخالف الطريق الذي سلكه زملاؤه و أصبح محباً لله العلي، فهم عندما حاصروا كنائس الله وأتلفوها وهدموها حتى الأساس، و أزالوا حتى أساسات بيوت العبادة، حفظ هو يديه طاهرتين دون أن تتلوثا بفجورهم البغيض، ولم يقتد بهم في أي ناحية من النواحي، لقد دنسوا أقطارهم بذبح النساء والرجال الأتقياء بكيفية شنيعة، أما هو فحفظ نفسه طاهراً من هذه الجرائم، لقد تورطوا في العبادة الوثنية الماجنة و دفعوا أنفسهم أولاً ثم كل الذين تحت سلطانهم في عبودية ضلالات الأرواح الشريرة، و أما هو فإنه في نفس الوقت بعث السلام التام في سائر أرجاء أقطاره و ضمن لرعاياه امتياز عبادة الله من دون عائق ".

كما قال يوحنا النقيوسي عن قسطانطيوس والد قسطنطين :

" أما قسطانطيوس والد (قسطنطين) الذي كان مشاركا له في الحكم في آسيا فلم يرتكب آثاما، وكان يحب الناس ويعاملهم بالحسنى، وكذلك أمر أن يُعلن قول البشير للمسيحيين في كل مكان تحت سلطانه ليمضوا مشيئة الرب الإله الواحد الحق، وكذلك أمر ألا يصنعوا بهم شراء ولا يُوقعوا بهم اضطهادا، ولا يسلبوا أموالهم، ولا يرهقوهم أي إرهاق، وأمر كذلك ألا يمنعوهم الخشوع والتبتل في الكنيسة المقدسة ليصلوا من أجله ومن أجل حكمه."

ويتابع يوحنا النقيوسي حديثه مؤكدا أن سلوك قسطنطين درب أبيه وانتهاجه نفس النهج أدى إلى محبة الناس لقسطنطين وتمسكهم به، حيث يقول :

" غير أن قسطانطيوس عبد الله الطيب الذكر الذي أكمل مسيرته بحكمة وتعقل المحبوب العادل، كان كل الناس يصلون من أجله، ويدعو له الكبار وكل الجنود والقادة، وهو الذي أسس مدينة بيزنطة، وسلك مسلكا حسنا في عدل، ثم مات وسار إلى الرب، وخلف ولدا صالحا هو قسطنطين حبيب الله الكبير المضيء بالحق المتألق، ونصبه ملكا متوليا بدله. وهذا العظيم المثلث السعيد (الطوباني) عمل لإرضاء الرب في كل وقت، وكان يحب كل الناس في مملكته، ويصنع الخير للجميع، وأتى كل أيام حكمه في تواضع وقوة وطهارة وكان عظيما أمام الرب الحي إلى الأبد، وامتدحه القادة وكل الجنود لأنه يغار غيرة طيبة للرب، وظهرت في أيامه وضاءة وحكمة مسيحيتين قوة وعدالة، وحب للناس وصبر، ولم يقبل لديه قول الهراطقة الخارجين فقط، بل جعل كل من كان تحت سلطانه يخضع للرب ولم يمارس شيئا من الظلم، وكذلك لم يصبر على ترك الكنائس التي تهدمت دون أن يبنيها ولم يترك كذلك شيئا يعوق عبادة الرب المقدسة المسيحية الذي كرس به ليصير ملكا في حسن وتواضع."

وهكذا يتضح لكم أن سيرتي في الحكم وطريقة وصولي للحكم تؤكد أن الحاكم الصالح حتما لابد أن يكون منتخبا ومرضيا عنه من الناس، أما الحاكم المستبد الذي يصل للحكم بقوة السلاح ومساندة الفاسدين المنافقين الانتهازيين الذين لا يعنيهم إلا تحقيق مصالح خاصة ولو على حساب قتل شعب بأكمله، فلا يمكن بحال من الأحوال أن يكون مصدرا للخير والأمن والاستقرار.

ولاشك أن الإسلام هو من أرسى قاعدة اختيار الأمة للحاكم من خلال الشورى والبيعة، أي اختيار الناس له لما يجدونه فيه من خير ثم مبايعته على الحكم وفقا للمبادئ التي اتفقت عليها الأمة، وقد كانت في صدر الإسلام هي كتاب الله وسنة نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام.

وقد نقل الغرب هذا المبدأ عن المسلمين، وتم تطويره وابتكار وسيلة للتعبير الصحيح عن رأي الأمة واختيارها وهي ( الانتخاب )، بينما ظل المسلمون في جميع أرجاء العالم الإسلامي تحت وطأة الحكم الجبري المستبد.

#ثانيا:  #يحب_الشعب_ويسعى_لتحقيق_الخير_للناس.

كما رأينا، قال يوحنا النقيوسي عن قسطنطين :

" حبيب الله الكبير المضيء بالحق المتألق، ونصبه ملكا متوليا بدله. وهذا العظيم المثلث السعيد (الطوباني) عمل لإرضاء الرب في كل وقت، وكان يحب كل الناس في مملكته ويصنع الخير للجميع، وأتى كل أيام حكمه في تواضع وقوة وطهارة، وكان عظيما أمام الرب الحي إلى الأبد، وامتدحه القادة وكل الجنود لأنه يغار غيرة طيبة للرب، وظهرت في أيامه وضاءة وحكمة مسيحيتين قوة وعدالة، وحب للناس وصبر، ولم يقبل لديه قول الهراطقة الخارجين فقط، بل جعل كل من كان تحت سلطانه يخضع للرب، ولم يمارس شيئا من الظلم وكذلك لم يصبر على ترك الكنائس التي تهدمت دون أن يبنيها، ولم يترك كذلك شيئا يعوق عبادة الرب المقدسة المسيحية الذي كرس به ليصير ملكا في حسن وتواضع.

#ثالثا:  #أرسى_مبدأ_الدين_أساس_الحكم_والسياسة. 

يؤسفني أن أجد أنظمة حكم في دول مسيحية وأخرى في دول إسلامية كبرى تسعى بإصرار لتنحية الدين عن السياسة والحكم وكافة شئون الناس ، حتى أن بعضهم  أضاف نصوصا إلى دساتیرهم وتشريعاتهم مفادها : ( حظر مباشرة أي نشاط سياسي أو حزبي على أية مرجعية دينية أو أساس ديني )، بل وصل الأمر ببعض الحكام إلى وضع تشريعات جنائية لضمان إقصاء الدين ومن دانوا به وبأهميته لصلاح وإصلاح أحوال الناس .

الحمد لله الذي عافاني من ذلك، الحمد لله الذي جعلني عبدا صالحا مؤمنا بالله مسلما موحدا أؤمن بأنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن عيسى عليه السلام عبد الله ورسوله، وأعلنت رفضي لقانون إيمان نيقيا بعد أن أصدرته بنفسي، ذلك القانون الذي جعل من سيدنا عيسى إلها مساو لله عز وجل في جوهره وأزليته، واعتنقت المسيحية على مذهب آريوس الموحد، وتعمدت على يدي يوسابيوس النيقوميدي الموحد، وتعمدت فوق قبر لوكيانوس الموحد، وانتقلت إلى رحمة الله عز وجل وأنا لازلت في الملابس التي تعمدت بها على عقيدة التوحيد، أبغض المحرمات، وأرفض الظلم بكافة صوره، ولا أقف منه موقف المتفرج، وقد مكنني الله عز وجل في الأرض حتى تمكنت من رفع الاضطهاد عن المسيحيين وهم أصحاب ديانة سماوية بعد أن عانوا من اضطهاد الوثنيين لهم قرابة ثلاثمائة عاما، وأنشأت لهم الكنائس ، وهذا ما أكدته الموسوعة الحرة ويكبيديا بقولها :

من أشهر مشاريعه الإنشائية كنيسة القيامة في أورشليم، وكنيسة المهد في بيت لحم، وكنيسة الرسل المقدسة في القسطنطينية، وكنيسة القديس بطرس القديمة في روما، وقد بذل قسطنطين جهودًا كبيرة لإقامة الكاتدرائية على القمة التي استراح عليها القديس بطرس الدرجة أنها أثرت حتى على تصميم الكنيسة، مما جعل بناء الكاتدرائية يستغرق أكثر من ٣٠ ثلاثين عاما منذ تاريخ أمر قسطنطين ببنائها.

كما منعت تشغيل رجال الدين المسيحي في الوظائف العامة حتى يتفرغوا لمهمتهم المقدسة في تعليم الناس شئون دينهم، وأغدقت عليهم بالمال لمساعدتهم على أداء هذه الرسالة، وفرضت على المواطنين الوثنيين وعلى رجال الإمبراطورية أن يردوا للمسيحيين كل ما أخذ منهم من أموال أو عقارات وغير ذلك من الأعمال الخيرة كثير، ولمن أراد أن يستزيد فليقرأ الكتاب من جديد، ففيه كل أو معظم ما فعلته من أعمال خيرة.

والأهم من ذلك كله أنني - وكما ذكرت لكم أعلاه - كنت مسلما موحدا لله ، حيث انتهى بي المطاف بعد محاولة التوفيق بين مذهب آريوس الموحد الذي آمن بأنه " لا إله إلا الله عيسى رسول الله "، وألكسندروس وشماسه أثناسيوس الذين صمما على رفع سيدنا عيسى من حقيقته كبشر مخلوق إلى درجة الألوهية، كما صمما على إنزال الله المتفرد بالألوهية والكمال إلى درجة المخلوق في عقيدة لم يستطع المسيحيون أنفسهم أن يتحدوا عليها، حتى راح كل منهم يفهمها بالطريقة التي يستطيع تقبلها، فتعددت قوانين الإيمان و تنافرت، وفشلت المجامع المسكونية في توحيد هذه العقيدة على تصور واحد يقبله الجميع. وأعلنت قبولي لقانون إيمان آريوس الموحد في مناسبة عظيمة وأماكن مقدسة، ألا وهي افتتاح كنيسة القيامة في القدس لأعلن وأؤكد لكل الناس في زمني ومن بعدي أن كنيسة القيامة التي شيدتها في الأرض المباركة إنما هي كنيسة آريوسية مسلمة موحدة، وأصدرت قراراتي لجميع الكنائس بقبول آريوس وأنصاره وأتباعه في كنائسهم. وعندما رفضت كنيسة الإسكندرية بقيادة الأسقف الجديد " أثناسيوس " وثني الأصل الذي خلف ألكسندروس، وأصبح هو أسقف الإسكندرية، قمت على الفور باستدعاء آريوس إلى القسطنطينية لأعلن أن العاصمة الجديدة للإمبراطورية الرومانية قد أصبحت أيضا آريوسية موحدة شأنها كشأن كنيسة القيامة، لكن وللأسف الشديد استشهد آریوس قبل استلام عمله بأقل من يوم في حادث غامض رجح الكثيرون أنه قتل عمدا بطريق السم. وحسبي للتأكيد على أنني قد سلكت طريق الصلاح والفلاح أن أعيد عليكم رسالتي الخاصة بضلالة عبادة الأوثان والتي قلت فيها :

من قسطنطين الظافر إلى شعوب الأقطار الشرقية : 

" إن كل ما تتضمنه قوانين الطبيعة الثابتة يحمل لكل البشر فكرة شديدة عن بعد نظر العناية الإلهية وحكمتها، و لا يمكن لأي إنسان اتجه عقله في طريق المعرفة الحقيقية لطلب هذه الغاية أن يخامره أقل شك في أن مرئيات العقل السليم والمناظر الطبيعية نفسها تؤدي إلى معرفة الله بتأثير الفضيلة الحقيقية، ولهذا فإن العاقل لا يُدهش عندما يرى البشرية تتأثر بمشاعر مضادة لأن جمال الفضيلة يصبح بلا جدوى ولا يمكن إدراكه لو لم تظهر رذيلة "عبادة الأوثان " في الناحية المضادة لها، أي طريق الضلال والحماقة، و لذلك ترى الواحد يتوج بالجزاء الحسن، أما الآخر فيقتص منه الله العلى نفسه."

لقد أرسلت العديد من الرسائل إلى جهات مختلفة تكشف لكم عن طبيعتي، وتؤكد لكم أنني كنت مستغرقا بكل فكري ومشاعري في إرساء القيم الدينية الرفيعة، وأنني كنت أرى هذه القيم هي السبيل الأساسي لحل مشاكل الناس ورفع الظلم عنهم ليعيشوا حياة كريمة

آمنة، فلاشك عندي أنه لا سياسة نافعة ولا حكم رشيد بغير دين سماوي لم تطله يد العبث والتغيير بالحذف أو الإضافة، وفي هذا الشأن يقول المؤرخ المسيحي ساويرس بن المقفع :

" غدت المسيحية والديانات الأخرى داخل الإمبراطورية على قدم المساواة إن لم تفضل عليها، وأضحت دينا شرعيا، وأن لها بعد ثلاثة قرون أن تتنسم عبير الحرية، وساد الكنيسة سلام طالما إليه تاقت وقد هللت الكنيسة بهذه الفترة الجديدة التي توشك شمسها أن تبزغ، ولا أدل على ذلك مما عبر به يوسابيوس القيصري عن هذه الفرحة التي تملكت نفوس المسيحيين آنئذ بقوله : أخيرا أشرق نهار صحو جميل، لا يعكر صفوه غمام، وبأشعة نور سماوي أضاء في العالم كنائس المسيح، وحتى أولئك الذين ليسوا من جماعتنا لم يُحرموا من نعمة البركات، أو على الأقل من الانتفاع بمزاياها والتمتع بجزء من النعم التي أغدقها الرب علينا.

ويضيف يوسابيوس أن الإمبراطور خط بيمينه رسالة إلى سكان الإمبراطورية جمعاء يدين فيها الديانات السابقة ويمجد المسيحية، أورد فيها تقريرا عن الأخطاء الناجمة عن القول بتعدد الآلهة أو الشرك بالله، وبدأها بمقدمة عن الفضيلة والرذيلة، كما كتب لملك فارس رسالة تدور في نفس الإطار يقول فيها :

" إني كما تبرهن أعمالي أعترف بأقدس عقيدة، فهذه العبادة ذاتها تقودني إلى معرفة الرب القدوس، الذي بعونه وقوته أنهضت من الرقاد من أقاصي المحيط كل أمة في هذا العالم لتلمح الأمل في الأمان، وعليه فإن كل أولئك الذين يئنون تحت وطأة العبودية ويقاسون أعظم الويلات لأشد الطغاة قسوة قد بعثوا من جديد بفضل حكمي وإرسائي قواعد أسعد دولة.

هذا الرب وأنا على ركبتي جاث، إياه أستعيذ من هول دماء تلك الأضحيات، وإليه أبتهل أن يبدد رائحتها الكريهة المقيتة، ويطهر من الأراضي كل نار شيطانية، وما ذلك إلا لأن هذه الشعوذات الدنسة الرجسة بشعائرها المستهجنة، قد أوردت جل، لا بل كل أمم العالم الوثني ورد الهلاك فرب الكل السيد وهبها البركات ومن ثم لا يرضى جلاله ولا يسمح لقلة تعبث بها وتنحرف إرضاء الخاص الشهوات.

وليس للرب على الإنسان إلا نقاوة عقل، واستقامة روح، وهو بهذا المعيار يزن صالح الأعمال وفاضلها، فمسرة الله بكياسة من البشر واعتدال يحب الحليم، ويبغض اللئيم يبتهج بالإيمان، ومن الكفر يقتص، يهوي - يُسقط - بجبروته كل عات، ومن صلف كل متكبر ينتقم، وفي الدرك الأسفل يطيح بكل متعجرف غطريس، ولكنه يجزي المتضع، وبما استحق من جزاء يثيب، وبمثل هذا يمد الرب عونه بمملكة من العدل قائمة، ويدعمها ومليكها بسكينة السلام، وبعد يا أخي، فأنا على يقين بأني غير مخطئ في اعترافي بهذا الإله الواحد المبدع، الآب لكل الأشياء، الذي جافاه كثير من أسلافي مقودين بجنون الخطيئة مما جر عليهم رادع العقاب حتى راح ما تلاهم من أجيال يتندر بما حل بهم تحذيرا لمن تداعبه الرغبة في سلوك الدرب، ومن عداد هؤلاء واحد حدت به صاعقة العذاب فراح من هنا طريدا، وكانت أراضيكم له المنفى والمصير، وكان العار الذي لحق بسمعته مدعاة لذيوع صيت انتصاركم - يشير قسطنطين هنا إلى هزيمة الإمبراطور الروماني الطاغية فاليريان وأسره على يد الفرس ، وإنه لمن اليقين مناسبة طيبة حيث أضحى الانتقام الذي حل بكل أولئك على النحو الذي أوضحت بينا للجميع في عصرنا، ذلك أني قد عاينت نهاية أولئك الذين بكافر مراسيمهم ناكدوا عباد الرب، وبهذه النهاية وجب تقديم الشكر لله، فبعونه الفياض سعد بشر يرعون ناموسه المقدس بعد أن عاد من جديد هناء السلام، وعليه فإني لموقن بأن الأمور كافة قد اتخذت الوضع الأفضل الآمن، فإذا ما اتقى الناس وآمنوا وتمسكوا بناموس الرب ولميتفرقوا يقدسون ذاته تعطف الرب فآواهم إلى رحابه "

وما أجمل ما قاله عنه الأبوان ميشال أبرص وأنطوان عرب : 

" فكما أن المسيح يطرد من قطيعه كل القوى المتمردة، كذلك فعل قسطنطين، إذ أنه أخضع أعداء الإيمان المنظورين وقاد الناس إلى معرفة الله، لقد أصبح المعلم الذي يعلن ملكوت الله على الأرض، ويبشر بشريعة الحق، واعتبر قسطنطين نفسه المدافع عن كنيسة الله وعن نشر ديانته في كل أرجاء المملكة، وهو من ربط الدين بالدولة آخذا على عاتقه الدفاع عن كليهما....

بل في صفحات التاريخ المسيحي ما يؤكد أنني كنت أخبر الناس بأنني أنفذ مهام موكل بها من الله ، وقد أكد المؤرخ المسيحي ساويرس بن المقفع ذلك حين استعرض انجازاتي وذكر من بين ما ذكر أنني كنت أخبر المسيحيين أنني مبعوث العناية الإلهية، يقول ساويرس بن المقفع :

" لقد حرص قسطنطين طوال فترة حكمه التي امتدت ما يزيد على ربع قرن، أن لا يثير شكوك رعيته والتي تمثل جل إمبراطوريته بل ظل في نظر هؤلاء الرجل الذي وحد الإمبراطورية وأنقذها من ويلات الحروب الأهلية الطاحنة. حقيقة سمح للمسيحيين بممارسة طقوس عبادتهم، وأعاد إليهم أموالهم وأملاكهم المصادرة، وأباح لهم حرية إقامة كنائس جديدة، وإصلاح ما تهدم من دور العبادة تحت

وطأة الاضطهاد، وأعاد المنفيين، وأطلق سراح المسجونين.

وحقيقة أيضا أصدر أوامر بهدم عدد من المعابد في كيليكيا وفينيقيا، ولكن قسطنطين مع ذلك كله لم يذهب كما فعل سلفه دقلديانوس تجاه المسيحية، فلم يصدر ضد الديانات القديمة مرسوما عاما بالاضطهاد أو بهدم معابدهم في كل أنحاء الإمبراطورية، أو بإحراق كتبهم المقدسة، أو بسوق كهنتهم إلى العذاب زمرا، أو بتعقب جموعهم وحرمانهم من ممارسة الطقوس نحو أربابها، بل إن هذه المعابد التي هدمها، لم يكن ذلك بصفتها المخالفة للمسيحية، ولكن لأنها كانت قد أمست غير مناسبة للمنحى الديكتاتوري القيصري، بسبب إيمانها بالتعددية وكفرها بالواحدية.

لقد سعى قسطنطين إلى دعم إله المسيحيين، الذي لا يقبل معه إله آخر، وسعى هو إلى أن يجعل من نفسه ممثلا لهذا الإله الذي وحد كل الإمبراطورية تحت ظله، وسعى باسمه للقضاء على كل الديانات الأخرى، وتستر به في حربه ضد الفرس وغيرهم من أصحاب الديانات المخالفة.

وكان قسطنطين بارع الدعائية، أغرق الكنيسة في هباته وخيراته، وأغدق عليها من فيض أنعمه، ويبدي اهتمامه البالغ، بل وقلقه من أجل الانشقاقات التي تحدث في الكنيسة ، ويدعو لعقد المجامع كي تفصل في النزاع اللاهوتي، ويحمل الأساقفة على المركبات العامة، ويحمل الخزانة نفقات حلهم وترحالهم، ويشترك في مناقشاتهم، ويرسل إلى ملك فارس يحثه على حسن معاملة رعاياه من المسيحيين، فغدا بذلك في نظر الكنيسة راعيها وحاميها والملجاًل ها وملاذ.

ولقد كان بلاط قسطنطين أنموذجا حيا لسياسة الحلول الوسطى، يجمع أضداد الخلائق وشتى الفكر، فهناك المستشارون العسكريون والمدنيون كلهم من أصحاب الديانات المغايرة للمسيحية، وإلى جوارهم مستشاره الخاص لشئون الكنيسة هوسيوس أسقف قرطبة النيقي المتحمس.

وفي الناحية الأخرى يقف يوسابيوس النيقوميدي الآريوسي العنيد صاحب الحظوة لدى الإمبراطور بعد عودته من المنفى وبين هؤلاء وأولئك صديقه الحميم يوسابيوس القيصري رجل الفكر المعتدل.

وقد استطاع قسطنطين أن يوحي إلى هؤلاء جميعا أنه مبعوث الرب الذي عهد إليه بإدارة الإمبراطورية، وأن عليه أن يقود سفينها وسط الأنواء إلى شطآن النجاة، ولقد حاول قسطنطين الكثير، ونجح في أن يضع لخلفه أسس العلاقة بين الدولة والكنيسة، ولكن مشاكل الكنيسة وخلافاتها اللاهوتية كانت أشد تعقيدا مما توقع قسطنطين.

ولقد أعان الله الله قسطنطين بأمه هيلانة" والتي كانت مسئول بناء الكنائس، وفي هذا الصدد يحدثنا ويل ديورانت عن بنائها بتكليف منه لكنيسة القيامة في أورشليم وكنيسة بيت لحم التي بناها في المكان الذي ولد فيه المسيح ، ويقول ديورانت في موسوعة قصة الحضارة تحت عنوان ( قسطنطين والمسيحية) :

" ولقد كانت صلاته بأمه طيبة سعيدة بوجه عام، ويبدو أنها سافرت بتكليف منه إلى أورشليم ودمرت ذلك الهيكل الشائن، هيكل أفرديتي الذي بني، كما يقول البعض، فوق قبر المسيح المنقذ.

ويقول يوسابيوس إن الضريح المقدس ظهر للعين في ذلك المكان، وفيه الصليب بعينه الذي مات عليه المسيح، وأمر قسطنطين أن تشاد كنيسة الضريح المقدس (كنيسة القيامة) فوق القبر، وحفظت الآثار المعظمة في خزانة مقدسة خاصة. ومن ذلك الحين بدا العالم المسيحي يجمع مخلفات المسيح والقديسين ويعيدها، كما كان العالم الوثني في الأيام القديمة السابقة يعتز بجمع مخلفات حرب طروادة ويعظمها، وكما كانت روما نفسها تفخر بتمثال أثينا إلهة الحكمة حامية طروادة.

وقد غير العالم المسيحي مظهر هذه العبادة وجدد جوهرها كما يفعل الخلائق من أقدم العهود، وشادت هيلانة كنيسة صغيرة في بيت لحم في الموضع الذي تقول الرواية أن يسوع ولد فيه، وقامت في تواضع بخدمة الراهبات اللائي كن يقمن بالخدمة في هذه الكنيسة، ثم عادت إلى القسطنطينية لتموت بين ذراعي ولدها.

وقد أكد ويل ديورانت أن قسطنطين جعل الدين أساس كل شيء، حيث يقول : " ويبدو أن عقيدته المسيحية التي كانت في بدايتها خطة سياسية، قد استحالت بالتدريج إلى إيمان صحيح استمسك به بإخلاص، وأصبح أكثر المبشرين في دولته مثابرة على عمله، واضطهد الملاحدة اضطهاد المؤمن المخلص لدينه، وكان يعتمد على الله في كل خطوة يخطوها. وقد وهب الإمبراطورية الهرمة حياة جديدة بأن ربط بينها وبين دين فتي، ونظام قوي، ومبادئ أخلاقية جديدة وكان في عمله هذا أعظم حكمة من دقلديانوس. وبفضل معونته أضحت المسيحية دولة وديناً، وأمست هي القالب الذي صبت فيه الحياة الأدبية والفكر الأوربي مدى أربعة عشر قرنا، ولعل الكنيسة التي رأت أن تشكر له فضله عليها كانت محقة حين لقبته بأنه أعظم الأباطرة إذا استثنينا أغسطس وحده."

وإذا كان الله عز وجل قد خير ذو القرنين في اختيار طريقة التعامل مع بعض الظالمين في جهة الغرب التي وصل إليها، فاختار ذو القرنين أن يعاقب الظالمين ويعذبهم عذابا نكرا، بينما سوف يكافئ كل من يعمل عملا صالحا ويعمل على تيسير أمورهم ومعاونتهم على شئون حياتهم.

وهذا نفس ما فعلته حين خرجت المحاربة الظالمين في الشرق والغرب، ففي غرب الإمبراطورية الرومانية حاربت مكسنتيوس الظالم الذي أعاد اضطهاد المسيحيين، ودخلت روما وسط فرح سكانها، ورفعت عنهم الويلات التي ذاقوها على أيدي مكسنتيوس، بينما كلفت ليسينيوس زوج أختي بمحاربة مكسيميانوس طاغية الشرق الذي أعاد اضطهاد المسيحيين أيضا من جديد.

أما عن أسباب قتلي لشريكي في النصر وزوج أختي ليسينيوس فترجع إلى ردته إلى الوثنية ومخالفة مرسوم ميلانو وشروعه في اضطهاد وتعذيب المسيحيين، ولم أقدم على قتله إلا بعد إنذاره وعدم امتثاله الأوامري بوقف الاضطهاد، مما اضطرني في البداية إلى نفيه، لكنه وهو في المنفى أخذ يرتب للانقلاب والقضاء علي، فلم يجعل أمامي خيارا سوى توقيع عقوبة الخيانة عليه خيانة رئيسه وخيانة الشعب والدولة.

وقد شاء الله عز وجل أن يهبني النصر على كل الحكام الطغاة الظالمين المتغلبين على شعوب الإمبراطورية، ليسود السلام والاطمئنان والهدوء والسكينة جميع أرجاء الإمبراطورية الرومانية ويهنأ المسيحيون أصحاب الديانة السماوية بالسلام والأمان الذي حرموا منه قرابة ثلاثة قرون. وقد قرأتم كيف فرح الناس في كامل الإمبراطورية الرومانية بانتصاري على الطغاة، وكيف تم استقبالي استقبالا حافلا في روما، هذه مجرد مقتطفات، ويمكن لكم الرجوع إلى ما أرسلته لكم من قبل في هذا الكتاب.

وأريدكم أن تنتبهوا إلى أنني قد ألغيت العملات المتداولة في جميع أرجاء الإمبراطورية للتخلص من الرسومات الوثنية على العملات القائمة، فهذه المعلومة في غاية الأهمية وسنحتاجها بشدة في القريب العاجل، بل وكما قرأتم من قبل كان من أسباب بنائي لمدينتي القسطنطينية روما الجديدة هو التخلص من الطابع الوثني لروما القديمة والتي كثرت فيها تماثيل الآلهة المزعومة، وكثر فيها الوثنيون فأردت أن أبني كنيسة كبرى، وكثير من الكنائس الموحدة ليصيح طابع مدينة القسطنطينية هو المسيحية الحقة (الإسلام) والتي كان يمثلها ويعبر عنها آريوس الموحد وشيعته ممن يفهمون فهمه ويرتضونه، ذلك الفهم الذي لم يختلف عما جاء به الإسلام - الرسالة الخاتمة - التي أنزلها الله عز وجل على نبيه ورسوله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وما كان إصداري لعملات معدنية جديدة ما بين برونزية وذهبية إلا لسببين، الأول : السبب الاقتصادي وهو مواجهة التضخم الذي أصاب مواطني الإمبراطورية

في ظل العملات القديمة، والثاني هو إزالة آثار الوثنية وصورها من على وجهي العملات القديمة لأخفيها عن أعين الناس.

ويقول ويل ديورانت في موسوعته قصة الحضارة في الإطار السابق : 

" ولما توطدت دعائم قوته أخذ يجهر تدريجياً بمحاباة المسيحية، فمحا بعد عام ٣١٧ م من نقوده واحدة بعد واحدة ما كان على وجهها من صور وثنية، ولم يحل عام ۳۲۳ م حتى كان كل ما عليها من الرسوم نقوشاً محايدة لا هي مسيحية ولا وثنية. ومن المراسيم القانونية الباقية من عهده مرسوم مشكوك فيه ولكنه لم يثبت كذبه يخول الأساقفة المسيحيين حق الفصل فيما يقوم في أبرشياتهم من منازعات قضائية، وأصدر قوانين أخرى تعفي أملاك الكنيسة من الضرائب العقارية ، وجعل الجماعات المسيحية شخصيات معنوية قضائية، وأجاز لها امتلاك الأرض وقبول الهبات وجعل الكنيسة هي الوارثة لأملاك الشهداء الذين لم يعقبوا ذرية.

وكذلك وهب أموالاً إلى المجامع الدينية المحتاجة إليها، وشاد عدداً من الكنائس في القسطنطينية وغيرها من المدن، وحرّم عبادة الأوثان في عاصمته الجديدة... وربي أبناءه تربية مسيحية سليمة، وأعان بالمال أعمال البر المسيحية التي كانت تقوم بها أمه، وابتهجت الكنيسة بهذه النعم التي فاقت كل ما كانت تتوقعه وكتب يوسابيوس صحائف كانت في واقع الأمر عقود مدح لقسطنطين وإقراراً بفضله، واحتشد المسيحيون في جميع أنحاء الإمبراطورية ليعبروا عن شكرهم لانتصار إلههم."

وإني لأتعجب أن أجد حكام مصر المسلمين يسعون بكل قوتهم لإعلاء الحضارة الفرعونية ويقيمون مبانيهم على شاكلة المباني الفرعونية، في الوقت الذي يسعون فيه إلى تهميش الإسلام ووصفه ووصف المسلمين بالإرهاب، إنهم يسيرون في الاتجاه المعاكس الذي اخترته عن قناعة كاملة، فأنا أؤمن أن البناء الحقيقي هو بناء الإنسان على أسس دينية وأخلاقية وفكرية وعلمية سليمة، وليس من خلال بناء مباني تحاكي في شكلها أبنية الفراعنة أو حتى الإغريق أو الرومان. ولو أنهم قرأوا كتاب ( صدام الحضارات ) لفهموا الفرق بين الحضارات التي ماتت ودفنت كالفرعونية والإغريقية والرومانية والصينية القديمة والهندية القديمة ، والحضارات التي لازالت على قيد الحياة ، كالحضارة الغربية والإسلامية والصينية الحديثة واليابانية الحديثة والأرثوذكسية إلخ.

#رابعا:  #القضاء_على_الانقسامات_والفتن_بين_الناس

لعلكم تذكرون كيف وفقني الله عز وجل في القضاء على الانقسام والفتن بين الرومان الوثنيين والمسيحيين، ووفقني في وقف الاضطهاد الروماني الوثني لهم والذي لم يسبق له مثيل من قبل.

كما تذكرون ما قمت به لحل الانقسام المسيحي المسيحي، لقد كان المسيحيون قبلي في حالة من التيه، فاستطعت بفضل الله عز وجل ومن خلال مجمع نيقيا" حصر الخلاف في فريقين ، الأول يقول بألوهية المسيح ، والثاني يقول بأن المسيح بشر وأنه مجرد رسول من رسل الله ، إلا أنه من المكرمين أصحاب الدرجات الرفيعة، وإنني وإن كنت قد أيدت في المجمع فريق كنيسة الإسكندرية القائل بالألوهية، إلا أنني رجعت لأؤيد فريق الموحدين - آريوس وشيعته - بكل ما أوتيت من قوة، لأكون بذلك قد وصلت بالمسيحيين إلى أفضل الأحوال.

وفيما يلى أعرض عليكم بعض ما قاله ويل ديورانت - عن الخلافات بين المسيحيين في أمور العقيدة في حقبة ما قبل قسطنطين - في موسوعته " قصة الحضارة " تحت عنوان ( تنظيم السلطة الدينية) :

" وكان "سلس" نفسه قد قال ساخراً : " إن المسيحيين" تفرقوا شيعاً كثيرة، حتى أصبح هم كل فرد منهم أن يكون لنفسه حزباً ، " واستطاع إيرينيوس أن يحصي في عام ١٨٧م عشرين شيعة مختلفة من المسيحيين، وأحصى إيفانيوس في عام ٢٨٤م ثمانين، وكانت الأفكار الأجنبية تتسرب إلى العقيدة المسيحية في كل نقطة من نقاطها، وأخذ المؤمنون المسيحيون ينضمون إلى هذه الشيع الجديدة. وأحست الكنيسة أن عصر شبابها التجريبي يوشك أن ينتهي، وأن نضجها سيحل بعد قليل، وأن عليها أن تحدد مبادئها، وأن تعلن على الناس شروط العضوية فيه، وكان لابد لذلك من ثلاث خطوات ليست فيها واحدة سهلة : وضع قانون عام مستمد من الكتاب المقدس وتحديد العقائد، وتنظيم السلطة.

وتفيض الآداب المسيحية في القرن الثاني بالأناجيل، والرسائل، والرؤى، والأعمال، ويختلف المسيحيون أشد الاختلاف من حيث قبولهم هذه الكتابات على أنها تعبير صادق عن العقيدة المسيحية أو رفضها، فقد قبلت الكنائس الغربية مثلاً سفر الرؤيا، أما الكنيسة الشرقية فهي بوجه عام ترفضه. وهذه الكنائس الشرقية تعترف برسائل يعقوب، أما الكنيسة الغربية فترفضهما.

ويذكر كلمنت الإسكندري ضمن الكتب المقدسة رسالة كتبت في أواخر القرن الأول الميلادي اسمها تعاليم الرسل الاثني عشر.

ولما نشر مرسيون عهداً جديداً اضطرت الكنيسة إلى العمل لتحديد ما تعترف به وما لا تعترف به من الأناجيل، ولسنا نعرف متى حددت أسفار العهد الجديد التي نعرفها الآن واعترف بها أي اعترف بصحة نسبتها لأصحابها وبأنها موحى إليهم بها، وكل ما نستطيع أن

نقوله واثقين أن هتامة لاتينية كشفها مراتوري Muratori في عام ١٧٤٠م وسميت باسمه ، ويرجع الباحثون تاريخها إلى عام ۱۸۰م تقريباً ويُفترض على ضوئها أن التحديد تم قبل ذلك الوقت.

وتكرر اجتماع المجالس والمجامع الكنسية تكراراً متزايداً في القرن الثاني، واقتصرت في القرن الثالث على الأساقفة، وقبل أن يختتم ذلك القرن اعترف بأن هذه المجالس هي الفيصل الأخير في العقيدة المسيحية الكاثوليكية أي العامة، وتغلب الدين القويم - على حد قول ديورانت - على البدع الدينية لأنه أشبع حاجة الناس إلى عقيدة محددة تخفف من حدة النزاع وتهدئ الشكوك، لأنه كان مؤيداً بسلطان الكنيسة.

وكانت مشكلة التنظيم تنحصر في تحديد مركز هذا السلطان، فقد يبدو أن المجامع الدينية المتفرقة، بعد أن ضعف سلطان الكنيسة الأصلية في أورشليم، أخذت تمارس السلطات مستقلة عن هذه الكنيسة وعن بعضها بعضاً، إلا إذا أنشأتها جماعات أخرى أو كانت تحت حماية هذه الجماعات.

ومن جهة أخرى كانت كنيسة روما تدعي أن الذي أنشأها هو الرسول بطرس، وتستشهد بقول عيسى : " أنت بطرس، وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها، وأعطيك مفاتيح ملكوت السموات، فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطاً في السموات، وكل ما تحله على الأرض يكون محلولاً في السموات " لكن بعضهم يقول إن هذه العبارة مدسوسة عليه، وإنها تورية لا يلجأ إليها إلا شكسبير، غير أنه يحتمل مع هذا أن بطرس، إن لم يكن هو الذي أوجد الجالية المسيحية في روما، كان يعظها ويخطب فيها، وأنه عين لها أسقفها.

وقد كتب إيرنيو يقول إن بطرس: "عهد" إلى لينس Linus بمنصب الأسقفية، ويؤيد ترتليان هذه الرواية، ويهيب سبريان أسقف قرطاجنة المنافسة الكبرى لروما بجميع المسيحيين أن يقبلوا زعامة كرسي الأسقفية.

ولم يترك الأساقفة الأولون الذين تربعوا على عرش بطرس أثراً في التاريخ، ويبرز من بينهم ثالثهم البابا كلمنت مؤلف رسالة باقية إلى الآن أرسلها حوالي عام ٩٦م إلى كنيسة كورنثة يدعو أعضاءها إلى نبذ الشقاق والمحافظة على النظام، وهذه الرسالة يتحدث فيها أسقف روما بعد جيل واحد من موت بطرس إلى مجمع ديني بعيد حديث من له سلطان عليه.

ومما ساعدني على تحقيق التقدم على جميع المستويات أنني تلقيت تعليما رسميًا في بلاط دقلديانوس، حيث تعلمت الأدب اللاتيني واللغة اليونانية والفلسفة، كذلك كانت البيئة الثقافية في نيقوميديا مفتوحة ومليئة ومتحركة اجتماعياً، وكان في إمكان قسطنطين أن يختلط مع المثقفين الوثنيين والمسيحيين.

بدأت توسعًا كبيرًا في ترير، وعززت سور الدائرة حول المدينة بأبراج عسكرية وبوابات محصنة، وبدأت ببناء مجمع قصر في الجزء الشمالي الشرقي من المدينة إلى الجنوب من قصره، أمرت ببناء قاعة جمهور رسمية كبيرة وحمام امبراطوري ضخم، رعى العديد من مشاريع البناء في جميع أنحاء بلاد الغال خلال فترة ولايته كإمبراطور للغرب، وخاصة في أوغسطونوم أوتون وأرلاتي آرل.

عندما كان قسطنطين لا يكون في حملة عسكرية، كان يقوم بجولة في أراضيه ناشرا خيره ودعمه للاقتصاد والفنون قمت بإكمال مشاريع ماكسينتيوس، حيث قمت بتكبير مسرح السيرك العظيم ٢٥ مرة أكبر من مما فعله ماكسينتيوس في تكبير طريق أبيا .

قمت بحل قوات ماكسينتيوس البريتورية، كما قمت بحل الحرس البريتوري وحرس الخيالة الإمبراطوري، وحطمت تماثيل حرس الخيالة الإمبراطوري وتم حملها إلى البازيليك عبر طريق لابيكانا، حيث هناك شرعت في إعادة إنشاء بازيليك القديس يوحنا اللاتراني في 9 نوفمبر ۳۱۲م، بعد إسبوعين فقط من أخذه المدينة . قمت بإلغاء فيلق بارثيا الثاني من ألبانو لاتسيالي، كما أمرت بنقل بقايا جيش ماكسينتيوس إلى حدود الراين.

وهذا يكشف الفوارق الكبيرة بين الحاكم الصالح والحكام المستبدين الذين نعاني منهم الآن، فالحاكم الصالح ليس لصا ولا سفاحا لا يعنيه سوى فرض القيود على الرعية حتى يتمكن من سلب ما عسى أن يوجد لديهم من ممتلكات مادية، وها أنا أعترف عليهم دون تردد التحقيق كافة احتياجاتهم.

وخففت من نير الاستبداد بقراراتي الرحيمة، وناصرت الآداب والفنون الراقية التي تحترم القيم الدينية، وشجعت مدارس أثينا، وأنشأت جامعة جديدة في القسطنطينية، كان فيها أساتذة يحصلون على رواتبهم من قبل الدولة، ويعلمون اللغتين اليونانية واللاتينية، والآداب والفلسفة، والبلاغة والقانون ويدربون الموظفين الذين تحتاجهم الإمبراطورية. وأيدت ما كان للأطباء والمدرسين في جميع الولايات من امتيازات ووسعت نطاقها، وأمرت الحكام أن ينشئوا في ولاياتهم مدارس للعمارة، وأن يستجلبوا الطلاب إليها بمختلف الامتيازات والمكافآت، وأعفيت الفنانين من الواجبات المفروضة على غيرهم من المدنيين حتى يوفر لهم ما يكفي من الوقت لإتقان فنهم وتعليمه لأبنائهم. وقد استعنت بالكنوز الفنية في جميع أنحاء الإمبراطورية على تجميل القسطنطينية العاصمة الجديدة.

#ثامنا: #قسطنطين_ينحي_الجيش_عن_الحكم_والحياة_المدنية.

كإمبراطور " قمت بسن النظم الإدارية، والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية لتحقيق نهضة الإمبراطورية، وأعدت تأسيس الولايات الإمبراطورية، وفصلت بين سلطات النظام العسكري والنظام المدني.

فقد كنت أعلم عواقب هيمنة الجيوش على الدول والإمبراطوريات من واقع التاريخ الطويل للإمبراطورية الإغريقية، ثم مما حدث في ظل الأباطرة الرومان السابقين لي، ومن ثم كنت مصمما على تنحية الجيش الروماني وقادته عن الحياة المدنية والتي اعتادوا أن ينظروا لها على أنها غنيمة ينبغي أن يستغلوا أسلحتهم للهيمنة على الشعب والسطو عليها.

وقد كان الضباط والجنود يهيمنون على الحكم في ظل الإمبراطورية الرومانية، كما كان الحال في ظل الإمبراطورية الإغريقية من خلال ما يسميه الرومان القائد البرايتوري باللاتينية praefectus‏ بريتوريو.

والقائد البرايتوري هو منصب شديد الأهمية في الإمبراطورية الرومانية، كان يتولى صاحبه بالأصل قيادة الحرس الإمبراطوري، قبل أن يتطور المنصب لتتضمن مسؤولياته صلاحيات قانونية وإدارية عالية جداً، وليصبح القائد البرايتوري أحد أهم مساعدي الإمبراطور. 

قمت بتجريد القائد البرايتوري من العديد من صلاحياته في عهدي، وحولت المنصب ذاته من سلطة عسكرية هائلة إلى منصب مدني إداري بحت. وفي الفترة اللاحقة لعهدي، ظهرت تقسيمات إدارية جديدة للدولة سميت الولايات الإمبراطورية، وأصبح القائد البرايتوري السلطة العليا المسؤولة عن إدارة هذه الولايات، فبات أشبه برئيس وزراء الدولة.

ظل الأباطرة الرومان ينصبون القادة البرايتورتين لتولي هذه المهام حتى عهد هرقل، عندما أجريت تغييرات عديدة في نظام الحكم سحبت من القادة البرايتوريين معظم صلاحياتهم ليصبحوا أشبه بمراقبين على كيفية إدارة ولايات الإمبراطورية.

اختفى آخر أثر لهذا المنصب في الإمبراطورية البيزنطية بحلول عام ٨٥٠م، بينما اندثر في الإمبراطورية الرومانية الغربية مع زوالها بنهاية القرن الخامس الميلادي ."

واستحدث قسطنطين بعد ذلك منصب قائد الجنود، قائد الجنود باللاتينية Magister - ماجيستر میلیتوم" هي أعلى رتبة عسكرية في العهد المتأخر للإمبراطورية الرومانية، بدءاً من فترة حكم قسطنطين الأول وحتى انهيار الإمبراطورية الرومانية الغربية . كان قائد الجنود هو ثاني أعلى سلطة عسكرية بكامل الإمبراطورية بعد الإمبراطور ذاته وأحد أعلى السلطات في الإمبراطورية بأكملها.

بدأ العمل بمنصب قائد الجنود في روما القديمة لأول مرة خلال القرن الرابع الميلادي عندما قرر الإمبراطور قسطنطين الأول تجريد القائد البرايتوري " قائد الحرس الإمبراطوري" وأحد أعلى السلطات في الإمبراطورية من كافة صلاحياته العسكرية، وبالتالي وزعت هذه الصلاحيات على منصبين جديدين أحدهما يقود الجنود المشاة بالجيش ويُسمى قائد والآخر ،" Magister peditum " المشاة الفرسان - منذ عهد الجمهورية الرومانية، حيث كان قائد الفرسان ثاني أعلى سلطة بعد الدكتاتور الروماني.

وبعد عهدي، ظهرت إصدارات مصغرة من منصب قائد الجنود، حيث أصبح هناك قائد جنود لكل منطقة أو ولاية بالإمبراطورية : فكان هناك قائد جنود لولاية الغال وولاية إيطاليا وولاية إليريكم وولاية الشرق وكذلك في أبرشية ثراسيا وأحيانا أبرشية أفريقيا. وفي الأيام المتأخرة للرومان بدأوا بخسارة مقاطعاتهم الشرقية أمام الفتوحات الإسلامية بمنتصف القرن السابع الميلادي، مما أدى إلى تجمع القادة العسكريين للجيوش الرومانية المتبقية بتلك المناطق واتحادها بمؤسسات سميت مقاطعات الثيمات.

ولعل من أسباب سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية هو ما درجت عليه في الأيام الأخيرة للإمبراطورية من تنصيب قائد عسكري أعلى Magister utriusquare militiae ، حيث يكتسب هذا القائد نفوذاً هائلاً في الدولة يجعل منه السلطة الحقيقية بالإمبراطورية عوضاً عن الإمبراطور ذاته، وما من حقبة هيمنت فيها الجيوش إلا كانت . هي مرحلة الشيخوخة في عمر الدولة والتي يعقبها الوفاة والنهاية.

وهنا نسأل من حكم العالم ، وكان مؤمنا بديانة سماوية وموحدا لله عز وجل ، ورافضا لأي صورة من صور الشرك به ، ونصيرا للمؤمنين وسيفا على الظالمين ، يحكم بالعدل ، ويقضي كل وقته للقضاء على الفتن بين رعيته والتي شملت أجناس وأديان ولغات ومعتقدات مختلفة ، وينفق ببذخ على رفاهية الناس ويكفل لهم الحياة الآمنة المستقرة وغير ذلك كثير مما بستدعي قراءة كتاب ( قسطنطين العظيم إمبراطور التوحيد الإسلامي ذو القرنين) والذي أصدرته ونشرته دار نشر كتبنا .

وقد تصادف أن يأتي نشر هذا الموضوع في يوم مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، وأنا أستمع ـ وأثناء إعداده للنشر ـ لأصوات الأطفال والزمامير التي يعبرون بها عن سعادتهم بهذه المناسبة .

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وجميع الرسل والنبيين وعلى اله وصحبه اجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.



الخميس، 12 سبتمبر 2024

قسطنطين_العظيم_هو_ذو_القرنين_الحاكم_الصالح

 #قسطنطين_العظيم_هو_ذو_القرنين_الحاكم_الصالح

قلت في كتابي ( قسطنطين العظيم إمبراطور التوحيد الإسلامي ذو القرنين ) ، تحت عنوان ( وختاما ) . 

من كل ما تقدم يتضح لنا أن قسطنطين العظيم لم يحصل على حقه في الدراسة بين المسلمين المنتشرين في كل بقاع الأرض ، أو المسلمين العرب .

كما يترجح لدينا أن قسطنطين العظيم هو ذو القرنين ، لأنه لا يوجد حاكم على مر التاريخ توفرت فيه الصفات التي أوردها الله عز وجل لذي القرنين مثلما توفرت في قسطنطين .

فإذا كان الله عز وجل قد أخبرنا أن ذي القرنين عبد صالح مؤمن بالله عز وجل إيمانا صحيحا قائما على توحيد الله عز وجل وعدم الإشراك به ، فهكذا كان شأن قسطنطين ، كان مسيحيا على مذهب آريوس التوحيدي ، عاش عليه ومات عليه ، وحسبه دليلا على صدق إيمانه هو أن ينتقل من أقصى غرب تركيا ( القسطنطينية ) إلى أقصى شرق تركيا من جهة الجنوب ليصل إلى أنطاكية في سوريا ويتعمد على قبر لوكيانوس كبير الموحدين في زمنه ومعلم آريوس ورفاقه عقيدة التوحيد الصحيح ، ويتعمد على يدي يوسابيوس النيقوميدي وهو آريوسي ، ثم يعود إلى مدينة القسطنطينية ليموت في ذات الملابس البيضاء التي تعمد بها .

وإذا كان الله عز وجل قد أخبرنا في سورة الكهف أنه جل شأنه قد مكن لذي القرنين في الأرض ، فهكذا كان قسطنطين ممكنا في الأرض يحكم مشارقها ومغاربها ، وإذا كان الله عز وجل قد أسماه ذي القرنين ، فهكذا كان قسطنطين يحكم الإمبراطورية الرومانية الشرقية والإمبراطورية الرومانية الغربية وهما القرنان ، وكان من قبل يحكم جزءً من الإمبراطورية ، لكنه ولكونه عبدا صالحا أبت نفسه أن يتخلى عن المسيحيين المؤمنين الموحدين، وغيرهم من مواطني الإمبراطورية الذي يتعرضون للاضطهاد ، لذلك حارب مكسيمينوس حاكم الشرق وانتصر عليه بجيش جعل على رأسه ليسينيوس زوج أخته ، كما حارب قسطنطين بنفسه ماكسنتيوس حاكم الغرب ( روما ) وانتصر عليه ودخل روما في ظل فرحة غالبية مواطني الإمبراطورية الرومانية ، لأن الوثنيين بالطبع كانوا مع فكرة اضطهاد المسيحيين ، وبعد هذه الانتصارات أصبح قسطنطين هو الحاكم الأوحد للإمبراطورية بإرادة الله عز وجل ، وأصدر بعدها مباشرة مرسوم ميلانو لمنع اضطهاد الرومان الوثنيين للمسيحيين ، وقرر حرية العبادة للجميع ، وفعل غير ذلك كثير كما قرأتم .

وإذا كان الله عز وجل قد أخبرنا أن ذي القرنين كان حاكما عادلا ، فهكذا كان قسطنطين ، منذ تولى القيادة مع والده سار على نهج أبيه ولم يضطهد أحدا من المسيحيين أو من غيرهم ، وعامل الناس معاملة طيبة ، ونظر في شكاواهم ومشاكلهم ، وخاض الحروب الطاحنة على حدود الإمبراطورية الشمالية ضد القبائل التي كانت تهاجم الإمبراطورية من جهة الشمال ، كما حارب مع جاليريوس ومكسيميانوس على الحدود الشرقية ضد الفرس وغيرهم من القبائل التي تهاجم الإمبراطورية من جهة الشرق .

وإذا كان ذو القرنين حاكما عادلا ، فإنه حتما ولابد أن يكون رحيما ، وهكذا كان قسطنطين رحيما، أوقف الرومان الوثنيين عن اضطهاد المسيحيين بمرسوم ميلانو ، بل وكانت حروب قسطنطين لهذا السبب ، وهو التخلص من مكسيميانوس ومكسنتيوس الحاكمين الذين أذاقا المسيحيين أشد أنواع العذاب على نحو لم يسبقهما فيه أحد اللهم إلا دقلديانوس أشهر المستبدين المضطهدين في التاريخ المسيحي ، وعندما بنى مدينته القسطنطينية منع فيها السلوكيات الرومانية الشاذة التي كان يمارسها الرومان الوثنيين حين يجتمعوا في ملاعبهم ويفرضوا على العبيد أن يتقاتلوا حتى الموت ليستمتعوا برؤية دمائهم وهي تسيل على الأرض .

وإذا كان ذو القرنين قد بنى سد يأجوج ومأجوج ، فإن قسطنطين قد بنى مدينة القسطنطينية على سبعة تلال ( جبال ) ليحصن المدينة وكامل الإمبراطورية الرومانية الشرقية من هجمات القبائل الشمالية ، ولربما كان سد يأجوج ومأجوج مبنيا بين التلال السبعة المقام عليها القسطنطينية .

وإذا كان سد يأجوج ومأجوج يقع بين جبلين على الحدود بين دولتي قيرغستان وأوزبكستان - حسب الباحث الأردني عبد الله الشوربجي - وهما مجاورتان للحدود الشرقية لتركيا ، فإنه يترجح أيضا أن قسطنطين هو من بنى هذا السد للعديد من الأسباب ، منها أن قسطنطين قد اتبع استراتيجية إقامة الحواجز القوية في طريق القبائل المعتدية ، وقد فعلها حين بنى القسطنطينية وأحاطها بالأسوار القوية والمجاري المائية ما بين هذه الأسوار ، وجعل من المستحيل على هذه القبائل دخول المدينة أو حتى العبور من أوربا إلى آسيا والهجوم على باقي الإمبراطورية الرومانية الشرقية وهي منطقة الأناضول في تركيا ثم ولايات آسيا مثل فلسطين وسوريا والأردن أو ولايات أفريقيا مثل مصر ، ومن ثم يترجح أنه استكمل استراتيجيته بالبحث عن طرق مرور القبائل التي تهاجم الإمبراطورية من جهة الشرق حتى عثر على أضيق مكان يمكن له ردمه لمنع هذه القبائل من المرور والوصول إلى الإمبراطورية الرومانية الشرقية . 

ومن هذه المُرجحات أيضا أن الرومان كانوا متفوقين في استخراج المعادن والصناعات التعدينية ، كما ثبت من مبانيهم التي استمرت قرابة ألفي عام، أنهم بنوا الطوابق المتعددة واستخدموا الخرسانة في البناء ، وقد أثبت فريق من العلماء أن الخرسانة الرومانية أقوى من الخرسانة الأسمنتية ، وأن المباني الرومانية أطول عمرا من المباني الحديثة بسبب هذه الخرسانة القوية التي صممت بطريقة تجعلها قادرة على معالجة آثار عوامل التعرية ذاتيا من خلال تفاعلات كيميائية ، بل وأثبت العلماء أن طريقة تصنيع هذه الخرسانة مشابهة تماما للوصف القرآني للطريقة التي صنع بها ذو القرنين الخرسانة التي ردم بها ما بين السدين ، وقد سبق أن عرضنا ذلك ، وقد أحسن الإمام الطبري رحمه الله عز وجل حين جمع في تاريخه وفي تفسيره للقرآن الكريم كافة الروايات التي كانت متداولة بين الناس منذ زمن النبي صلى الله عليه وسلم وترك للأجيال القادمة أن تبحث عن الروايات الصحيحة من الموضوعة بما عسى أن يستجد لديهم من أدلة من مصادر أخرى ، وقد ترك لنا حديثا في تفسيره يفيد أن ذو القرنين كان شابا رومانيا ، وأنه كان مدعوما بملاك من السماء ، وأن الملاك أرشده على مكان السد ليقوم ببنائه وغلق الطريق في مواجهة قوم يأجوج ومأجوج ، هذا فضلا عما صرح به الباحث الأردني عبد الله الشوربجي من أن الهدف من السد كان حماية القبائل التركية ، وهو ما يرجح أن قسطنطين هو من بنى السد لأنه كان الحاكم في هذه المنطقة وكان يهدف لحماية الشعوب الخاضعة لحكمه من هجمات القبائل الشمالية الشرسة ومن بينها الشعوب التركية .

ومن المرجحات أيضا أن قسطنطين العظيم هو ذو القرنين أن الله عز وجل جمع ( قصة ذي القرنين ) مع ( قصة أهل الكهف ) في سورة واحدة هي سورة الكهف ، وقال جل وعلا في بداية السورة : (  ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَٰبَ وَلَمۡ يَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَاۜ (١) قَيِّمٗا لِّيُنذِرَ بَأۡسٗا شَدِيدٗا مِّن لَّدُنۡهُ وَيُبَشِّرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرًا حَسَنٗا (٢) مَّٰكِثِينَ فِيهِ أَبَدٗا (٣) وَيُنذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗا (٤) مَّا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٖ وَلَا لِأٓبَآئِهِمۡۚ كَبُرَتۡ كَلِمَةٗ تَخۡرُجُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبٗا( (٥) ، .....

أي بدأت السورة بتحذير لمن قالوا اتخذوا الله ولدا ، والتحذير هنا ليس لكافة المسيحيين ، حيث يُستثني منه آريوس ومن سار على نهجه الذين رفضوا القول بأن عيسى عليه السلام ابن الله عز وجل وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ، وإنما كان التحذير لمن اعتنقوا قانون إيمان نيقيا وتركوا آريوس القس المسيحي الخالص الذي تعلم على أيدي عظام الآباء أمثال لوكيانوس الموحد ، وأخذوا بأقوال أثناسيوس الذي أثبت الأنبا تكلا هيمانوت وكافة المصادر التاريخية الرومانية والمسيحية أنه كان وثني الأصل ، ثم يلي آيات التحذير لمن قالوا اتخذ الله ولدا قصة أهل الكهف ، حيث ترد في سورة الكهف قبل الحديث عن قصة ذي القرنين ، وهذا يوافق التسلسل الزمني ، لأن الراجح كما قلنا وبالدلائل أن أهل الكهف هم فتية من المسيحيين الموحدين ( إِنَّهُمۡ فِتۡيَةٌ ءَامَنُواْ بِرَبِّهِمۡ وَزِدۡنَٰهُمۡ هُدٗى (١٣) وَرَبَطۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ إِذۡ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَن نَّدۡعُوَاْ مِن دُونِهِۦٓ إِلَٰهٗاۖ لَّقَدۡ قُلۡنَآ إِذٗا شَطَطًا (١٤) هَٰٓؤُلَآءِ قَوۡمُنَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ لَّوۡلَا يَأۡتُونَ عَلَيۡهِم بِسُلۡطَٰنِۭ بَيِّنٖۖ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا (١٥) وَإِذِ ٱعۡتَزَلۡتُمُوهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ فَأۡوُۥٓاْ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ يَنشُرۡ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَيُهَيِّئۡ لَكُم مِّنۡ أَمۡرِكُم مِّرۡفَقٗا )  ، لجأوا إلى أحد الكهوف للهروب من اضطهاد حاكم ظالم يريد إعادتهم إلى ملة الحاكم الطاغية وأتباعه ( إِنَّهُمۡ إِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ يَرۡجُمُوكُمۡ أَوۡ يُعِيدُوكُمۡ فِي مِلَّتِهِمۡ وَلَن تُفۡلِحُوٓاْ إِذًا أَبَدٗا ) ، وهو نفس ما أثبته التاريخ الروماني والمسيحي من أن المسيحيين كانوا يلجأون في زمن الاضطهاد للكهوف ، وكانوا يقيمون كنائس ( وقد أخبرنا الله عز وجل أنهم يقيمون مساجد ) ، وكانوا يموتون من طول فترات الهروب ويتم دفنهم بجوار هذه الكهوف ، وأن سبب الاضطهاد إما من الوثنيين للمسيحيين ليعيدوهم من المسيحية إلى الوثنية أو من النيقيين الذين أشركوا عيسى مع الله عز وجل في جوهره وأزليته وصفاته تجاه الآريوسيين الذين صمموا على وحدانية الله عز وجل وعدم الإشراك به لا في ذاته ولا في طبيعته وجوهره ولا في أزليته ولا في صفاته ، .....

ولاشك أن مرحلة الاضطهاد سابقة لظهور قسطنطين العظيم وحدوث الانفراجة الكبرى للمسيحيين ، لاسيما الموحدين من أنصار آريوس والذين أصبحت لهم الكلمة العليا لزمن طويل إلى أن تمكنت الكنيسة المصرية من القضاء عليهم ، ليحل محلهم المسلمون  بعد قرابة الألفي عام ، وكأن الله عز وجل قد بعثهم من الموت وأخرجهم من القبور لتعود أقوالهم ومعتقداتهم الصحيحة لتملأ الدينا من جديد ، وتصبح أسماء مثل قسطنطين ولوكيانوس وآريوس ويوسابيوس النيقوميدي ويوسابيوس القيصري متداولة بكل لغات العالم ، ......

ثم أوردت سورة الكهف قصة ذي القرنين بعد قصة أهل الكهف لترجح لنا أن ذو القرنين هو قسطنطين العظيم الذي رفع الاضطهاد عن المسيحيين ليخرجوا من الكهوف ويعيشوا حياة طبيعية آمنة ، بل وتتحول الإمبراطورية الرومانية بالكامل من الوثنية إلى المسيحية على أيدي قسطنطين ذاته ، ويكتشف الناس المعجزة التي حدثت لهؤلاء الفتية من خلال العملة القديمة التي حاولوا استخدامها في الشراء ، في الوقت الذي تخبرنا فيه المراجع الرومانية والمسيحية أن قسطنطين هو أيضا من غير العملة ، وألغى كل العملات التي كانت تحمل صورا وثنية أو صورا للأباطرة السابقين الوثنيين الذين غالوا في اضطهاد المسيحيين .

ومن المرجحات أيضا أن قسطنطين العظيم هو ذو القرنين ارتباط مجموعة من الأحداث المتجانسة معا بطريقة تستحث العقل على إعمال الفكر لمحاولة إيجاد الرابط المشترك الذي يجمع هذه الأحداث ، على سبيل المثال ما ذكرناه من ورود قصة أهل الكهف مع قصة ذي القرنين في سورة الكهف ، وبدء سورة الكهف بتحذير لمن قالوا اتخذ الله ولدا ( وَيُنذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗا * مَّا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٖ وَلَا لِأٓبَآئِهِمۡۚ كَبُرَتۡ كَلِمَةٗ تَخۡرُجُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبٗا )  ، ثم تأتي الآية الأخيرة من السورة لتؤكد على وحدانية الله عز وجل ، والنهي عن الشرك به : (  قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا  ) ، وكأن الله عز وجل يخبرنا أن سورة الكهف مخصصة في الأصل للحديث عن هذه الحقبة ، حقبة اضطهاد المسيحيين على يد الرومان الوثنيين وأباطرتهم ، ومعاناة المسيحيين وهروبهم إلى الكهوف ، ثم ظهور قسطنطين العظيم لينهي هذه المأساة التي استمرت قبل ظهوره قرابة مائتي وخمسين عاما أو يزيد ، ثم تدخل قسطنطين في النزاع الذي حدث بين المسيحيين بشأن طبيعة المسيح ، لينضم في بداية الأمر – ولم يكن ساعتها قد اعتنق المسيحية وأحاط بها علما - إلى فريق التثليث بقيادة أثناسيوس وثني الأصل ، ثم وبعد أن تفهم حقيقة النزاع وآراء الطرفين يتحول من النقيض إلى النقيض ، يتحول إلى مناصرة آريوس الموحد ويعتنق مذهبه ويعيده من المنفى ، ثم يطرد الأساقفة النيقيين ، ويعلن قبول قانون إيمان آريوس واعتناق مذهبه في أهم مناسبة في حياة قسطنطين وربما في تاريخ المسيحية وهي افتتاح كنيسة القيامة ، ويأمر بعدها كافة الكنائس بإعادة آريوس وأتباعه لأماكنهم بكافة الكنائس ، وحين رفض أثناسيوس إعادة آريوس ، قام قسطنطين بنفي أثناسيوس نفسه ، واستدعى آريوس إلى القسطنطينية ليقوم بتعيينه أسقفا على كنيسة القسطنطينية مدينته الجديدة .

وكما قلت لكم من قبل مات آريوس الموحد شهيدا – بالسم حسب آراء العديد من المؤرخين والباحثين – قبل أن يتسلم قيادة كنيسة القسطنطينية بيوم واحد ، وهنا نجد أحداث أخرى يُخبئها المستقبل ويسترها الغيب مئات السنين ، فرغم سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية عام ٤٧٦م ، استمرت الإمبراطورية الرومانية الشرقية قائمة لقرابة الألف عام بعد سقوط الغربية ، حيث سقطت على يد العثمانيين بقيادة السلطان محمد الفاتح عام ١٤٥٣م ، وكان من أهم أسباب صمود الإمبراطورية الشرقية هو أسوار القسطنطينية التي بناها قسطنطين بالتحصينات التي سبق أن عرضناها ، وكأن قسطنطين رحمه الله عز وجل كان يُعد القسطنطينية حتى يتسلمها المسلمون بعد قرابة الألف عام ، وكأن المقادير تخبر من قتلوا آريوس ، أنكم وإن قتلتم آريوس المسلم الموحد وحرمتموه من البقاء في القسطنطينية لأنه كان موحدا لله عز وجل ، فإن القسطنطينية تنتظر الملايين من ( المسلمين الموحدين ) سوف يأتون إليها يوما ما ولو كان في نظركم بعيدا ويفتحونها ويتولون الحكم فيها وإدارتها وتحسين أحوال أهلها حتى يدخلون في دين الله أفواجا.

هل يمكن أن نجد حاكما على مر التاريخ أنجز من الانجازات الإيمانية ما أنجزه قسطنطين العظيم ، الذي قضى على الوثنية التي كانت لها السيادة على العالم في الوقت الذي كانت تضم فيه عمالقة الحضارات كالفراعنة والإغريق والرومان ، ورفع الاضطهاد عن المسيحيين والذي استمر قرابة مائتي وخمسين عاما قبل أن يصل قسطنطين للحكم ، وبنى لهم الكنائس وأغدق عليهم بالأموال والعطايا حتى من قبل أن يعتنق المسيحية ، ثم أدت إجراءاته إلى تحويل الإمبراطورية الرومانية من الوثنية إلى المسيحية وهو تحول ضخم في تاريخ البشرية كان له ما بعده من نتائج حتى زمننا هذا .

ثم وبعد أن فهم الديانة المسيحية تحول عن قانون إيمان نيقيا الذي جعل المسيح عليه السلام إلها ، واعتنق مذهب آريوس الموحد ، وبذل قصارى جهده ليعيد الناس إلى الإيمان الصحيح .

وبنى مدينة القسطنطينية والتي حافظت على جميع المسيحيين الموحدين ، والذين كانوا هم الأغلبية في الإمبراطورية الشرقية ، وهؤلاء المسيحيين الموحدين هم من وجدوا في الإسلام ضالتهم عندما فتح عمرو بن العاص مصر عام 641م ودخل الإسكندرية عام 642م لاسيما في ظل الصراعات التي كانت سائدة بين هرقل والمسحيين المصريين حول طبيعة المسيح ، وهل هو ذو طبيعة واحدة إلهية أم ذو طبيعتين ،....

 " فعلى الرغم من اعتناق الإمبراطورية الرومانية للمسيحية ، فإن ذلك لم يُخَلِّص مصر من براثن الانحطاط والبؤس والشقاء ، فقد امتدَّت الخلافات العميقة داخل الدولة الرومانية الأرثوذكسية بين طائفة الملكانية - التي كانت تعتقد بازدواجية طبيعة المسيح ، وكانت تمثِّلها السُّلطة السياسية في القسطنطينية - وطائفة المنوفيسية ( اليعقوبية ) ، وهم أهل مصر والحبشة الذين كانوا يعتقدون بطبيعة إلهية واحدة للمسيح ، لذلك فكَّر الإمبراطور هرقل بعد انتصاره على الفرس في توحيد المذاهب المسيحية كلها، وعقد لهذا مَجْمَع خلقدونية، فأقرَّ البطارقة الذين يمثِّلون شتى المذاهب المسيحية مذهبًا واحدًا في ذلك المجمع ، وهو الإقرار بألوهية المسيح وبشريته في آنٍ واحد، ومساواة الابن مع الأب في الذات والجوهر، وأراد فرض هذا المذهب على المسيحيين في مصر عن طريق أحد البطارقة ويُدعى قيرس."

" لكن أهل مصر كانوا شديدي الحب لبنيامين -كبير أساقفة مصر- الذي كان شديد التعصب لمذهب اليعاقبة المخالف لما دان به هرقل، وما كاد قيرس يحطُّ رحاله في الإسكندرية في عام 631م إلاَّ وقد فرَّ بنيامين - خوفًا من بطشه ، لذلك رأى المصريون أن ما يدعو إليه قيرس ما هو إلاَّ بدعة وكفر وضلال لأن بنيامين أنكره ولم يدعمه ، 

الأمر الذي جعل قيرس يلجأ إلى الشدَّة والبطش والتعذيب، ووقع الاضطهاد الأعظم الذي استمرَّ على الأقلية المسيحية المصرية مدَّة عشر سنوات كاملة، حتى جاء الفتح الإسلامي مخلِّصًا للمصريين من ذلك البطش والتنكيل ، فاتحا بصائرهم على عقيدة التوحيد الصحيحة التي تقبلها الفطرة ، ويعجز العقل عن النيل من منطقيتها ، ناهيك عن أن المسلمين لم يفرضوا الإسلام بالقوة على مواطني البلاد المفتوحة وتركوهم وما يرتضون لأنفسهم من معتقدات."

وكأن قسطنطين العبد الصالح والحاكم الصالح قد أراد من بناء أسوار القسطنطينية حمايتها حتى يُسلم الأمانة للمسلمين خير أمة أخرجت للناس . 

إن تتبع سيرة قسطنطين يكشف لنا أنه أدى أدوارا عظيمة لصالح المسيحية والمسيحيين ، ولصالح الإسلام والمسلمين ، ولصالح البشرية أجمعين ، على نحو يرجح بشكل كبير أن قسطنطين العظيم هو العبد الصالح والحاكم الصالح "ذو القرنين" الذي أخبرنا المولى عز وجل قصته في سورة الكهف .

لن يخبرنا الله عز وجل عن ذي القرنين أنه مكن له في الأرض وآتاه من كل شيء سببا ، وكلفه بمهام لنشر العدل ومواجهة الطغاة وإغاثة المعذبين في الأرض إلا إذا كان ذو القرنين مسلما مؤمنا إيمانا صحيحا قائما على التوحيد الخالص ، مجاهدا لنصرة المؤمنين الموحدين ، وهذا ما عاش عليه قسطنطين ما تبقى من حياته بعد أن مكنه الله عز وجل في الأرض وأصبح الحاكم الأوحد للإمبراطوريتين الرومانية الغربية والبيزنطية الشرقية .

دار نشر ( كتبنا ) .



الأحد، 18 أغسطس 2024

القطار المدمر ذو القضبان ابمتحركة

 نشر صديقي على صفحته قائلا :

في ناس زي القطر ، لو داستك مش حا تحس بيك ، ولو حست بيك مش حتوقف لك .

قلت له:

وليس مثل أي قطر ، دا قطر قضبانة متحركة حسب رغبة السواق ، ممكن يحود على أي بيت أو غيط ، ولا يوقف قصاده جبل ولا حيط ، ولا بيحتاج بنزين ولا موتوره بيعوز زيت ، لا أحد سوف يوقفه إلا الله عز وجل رب الناس ورب البيت .


الجمعة، 16 أغسطس 2024

أنا لست حزينا على أمي

 


ردا على أخي الذي نشر على صفحته: أنه يسعى للاتصال بوالدته لاحتاجه لها، فيتذكر أنها توفيت فيشعر بالحزن والاختناق ، قمت بالرد عليه بالرد التالي:

أنا لا أشعر بالاختناق حين أذكرها لأن حالها مع الله عز وجل والذي نراه بأعيننا منذ أن ولدنا يبث في نفسي الطمأنينة عليها ، أشعر أنها في مكان أحسن من الأماكن ومع ناس أفضل مننا ، فيغلب اطمئناني عليها حزني على فراقها واحتياجي لها . هنيئا لك يا أمي ، هكذا أرجو ولا أزكيكي على الله جل وعلا.