الاثنين، 8 يونيو 2015

السيسي وفرعون .( 4 )


فرعون يبطش بشعب مصر حفاظا علي السلطة والثروة :
من الأشياء الهامة التي كشفها لنا المولي عز وجل من قصة فرعون مع سيدنا موسي عليه السلام أن النظم المستبدة التي تسيطر علي الشعوب وتهيمن علي ثرواتها حينما تتعرض سلطتها وثروتها للخطر تتحول إلي وحوش كاسرة تستبيح الأرواح ، وتريق الدماء ، وتهتك الأعراض ، تفعل أي شيئ دون أن تبالي بشيئ ، فلا حرمات ولا أخلاقيات ولا عواطف فيما يتعلق بحفاظهم علي السلطة والثروة .
يكشف لنا المولي عز وجل وسنة نبيه محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم أن بطش فرعون ببعض شعب مصر وهم " بني إسرائيل " وقتله أطفالهم واستحياء نسائهم وتعذيبهم كان بدافع الحفاظ علي سلطته وثروته هو وحاشيته وأنصاره ، وفي هذا الصدد يقول جل وعلا :
" وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ " 
                                               البقرة - ﴿٤٩﴾
ومن بين ما ورد في تفسير الطبري حول هذه الآية الكريمة ما يأتي :
وأما تأويل ذبحهم أبناء بني إسرائيل , واستحيائهم نساءهم ، (19) فإنه كان فيما ذكر لنا عن ابن عباس وغيره ، ما يلي :-
- حدثنا عبد الكريم بن الهيثم , قال : حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي , قال : حدثنا سفيان بن عيينة , قال : حدثنا أبو سعيد , عن عكرمة , عن ابن عباس, قال : قالت الكهنة لفرعون :
" إنه يولد في هذا العام مولود يذهب بملكك . قال : فجعل فرعون على كل ألف امرأة مائة رجل , وعلى كل مائة عشرة , وعلى كل عشرة رجلا فقال : انظروا كل امرأة حامل في المدينة , فإذا وضعت حملها فانظروا إليه , فإن كان ذكرا فاذبحوه , وإن كان أنثى فخلوا عنها . وذلك قوله :(يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم) ".
 - حدثني المثنى بن إبراهيم , قال : حدثنا آدم , قال : حدثنا أبو جعفر, عن الربيع , عن أبي العالية في قوله : " وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ." قال :
" إن فرعون ملكهم أربعمائة سنة , فقالت الكهنة : إنه سيولد العام بمصر غلام يكون هلاكك على يديه. فبعث في أهل مصر نساء قوابل ، فإذا ولدت امرأة غلاما أُتي به فرعون فقتله، ويستحيي الجواري ".
 - وحدثني المثنى , قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج , قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع بن أنس في قوله : وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ الآية, قال :
" إن فرعون ملكهم أربعمائة سنة , وإنه أتاه آت , فقال : إنه سينشأ في مصر غلام من بني إسرائيل ، فيظهر عليك ، ويكون هلاكك على يديه . فبعث في مصر نساء. فذكر نحو حديث آدم ".
 - وحدثني موسى بن هارون , قال : حدثنا عمرو بن حماد , قال : حدثنا أسباط بن نصر عن السدي , قال :
" كان من شأن فرعون أنه رأى في منامه أن نارا أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر, فأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل ، وأخربت بيوت مصر. فدعا السحرة والكهنة والعافة والقافة والحازة , فسألهم عن رؤياه فقالوا له : يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه - يعنون بيت المقدس - رجل يكون على وجهه هلاك مصر . فأمر ببني إسرائيل أن لا يولد لهم غلام إلا ذبحوه , ولا تولد لهم جارية إلا تركت......... "
 - حدثنا محمد بن حميد , قال : حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال : ذكر لي أنه لما تقارب زمان موسى أتى منجمو فرعون وحزاته إليه (27) فقالوا له :
" تعلم أنا نجد في علمنا أن مولودا من بني إسرائيل قد أظلك زمانه الذي يولد فيه يسلبك ملكك ، ويغلبك على سلطانك , ويخرجك من أرضك , ويبدل دينك. فلما قالوا له ذلك , أمر بقتل كل مولود يولد من بني إسرائيل من الغلمان , وأمر بالنساء يستحيين . فجمع القوابل من نساء [أهل] مملكته , فقال لهن : لا يسقطن على أيديكن غلام من بني إسرائيل إلا قتلتنه. فكن يفعلن ذلك , وكان يذبح من فوق ذلك من الغلمان , ويأمر بالحبالى فيعذبن حتى يطرحن ما في بطونهن ".
وقد ورد هذا السبب في تفسير قيام فرعون بقتل أطفال بني إسرائيل من الذكور في العديد من كتب التفسير منها تفسير ابن كثير ، ومختصرها أن فرعون فعل مافعل ببني إسرائيل وقد كانوا جزءًا من الشعب المصري بسبب خشيته من أنه سيخرج منهم من يسلبه ملكه وثرواته .
فالدافع إذن لبطش فرعون هو هو الحفاظ علي السلطة والثروة ، واختصاصه لليهود بهذا البطش والتنكيل لأنهم هم مصدر الخطر علي سلطته وثروته وفقا لاعتقاده .
أما سبب عدم إجهاز فرعون علي كامل اليهود فهو سبب اقتصادي يتعلق بثروة فرعون وثروة حاشيته ورفاهيتهم ، وقد كشف لنا الطبري في تفسيره هذا السبب فيما أورده بقوله :
 - حدثنا به العباس بن الوليد الآملي وتميم بن المنتصر الواسطي , قالا حدثنا يزيد بن هارون , قال : أخبرنا الأصبغ بن زيد , قال : حدثنا القاسم بن أيوب , قال : حدثنا سعيد بن جبير, عن ابن عباس , قال :
" تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله وعد إبراهيم خليله أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكا وائتمروا , وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالا معهم الشفارُ يطوفون في بني إسرائيل , فلا يجدون مولودا ذكرا إلا ذبحوه , ففعلوا . فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم , وأن الصغار يذبحون , قال : توشكون أن تفنوا بني إسرائيل فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة ما كانوا يكفونكم , فاقتلوا عاما كل مولود ذكر فتقل أبناؤهم ؛ ودعوا عاما . فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان , فولدته علانية آمنة , حتى إذا كان القابل حملت بموسى ".
إذن عدم إفراط فرعون في قتل بني إسرائيل كان بسبب مشورة أحد مستشاريه بأن الإسراف في قتل أطفال بني إسرائيل من الذكور سوف يحرم فرعون وحاشيته وأنصاره وعموم المصريين من خدمة بني إسرائيل الذين كانوا يقومون بأشد الأعمال أو أقذرها وأحقرها ، وهو ما كان عماد الإعمار والزراعة و الاقتصاد المصري وقتها ، وواضح مما ورد في القصة أن كافة المصريين كانوا خلف فرعون في ظل الآلة الإعلامية الفرعونية التي تسلطت علي اليهود بأنهم سيقضون علي حكم فرعون وسيحكمون مصر ويستذلوا المصريين علي نحو ما فعلوا بهم ، قال الله عز وجل :
" وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ "      
                                               سورة الأعراف - الآية ﴿١٢٧﴾
السيسي يبطش بشعب مصر حفاظا علي السلطة والثروة :
وإذا بحثنا عن باعث السيسي والمجلس العسكري وأنصارهم من وراء الانقلاب وما تبعه فسنكتشف أنه نسخة كربونية من باعث فرعون وحاشيته وأنصاره ، فالسيسي أراد أن يحافظ علي حكم العسكر لمصر والذي لم ينقطع منذ ثورة يوليو 1952 وحتي الآن ، حيث انتقلت السلطة من الرئيس محمد نجيب أول رئيس لمصر بعد الثورة إلي جمال عبد الناصر إلي السادات إلي مبارك ، ثم عام واحد لأول رئيس لمصر يأت بديمقراطية حقيقية وانتخابات نزيهة أعقبه إنقلاب 3/ 7 المشئوم .
ومن العجيب أن يقدس العسكر مبارك الذي كان عهده نموذجا عالميا علي فساد أنظمة الحكم لمدة ثلاثين عام ، بينما لم يتحملوا الرئيس المنتخب لمدة عام واحد لم يتوقفوا خلاله عن المؤامرات التي شاركت فيها دول أخري حتي نفذوا انقلابهم زاعمين أنهم خلف إرادة الشعب ، وكأن شعب مصر كان يعبر لهم طيلة ثلاثين عام من حكم مبارك عن الرضا والسعادة والرفاهية خلال هذه الحقبة المظلمة الكئيبة .
كما أن لهم تجربة حين انقلبوا علي الرئيس محمد نجيب لذات السبب لأنه كان من أنصار التحول الديمقراطي في مصر ، فحولوه إلي بيته وفرضوا عليه الإقامة الجبرية ما يقرب من ثلاثين عام .
أما عن ثروات قيادات العسكر من وراء السلطة فحدث ولا حرج ، وقد أصبح هذا الملف مفتوحا يتداوله الشعب المصري كله ، وقد كتبت في هذا الشأن العديد من المقالات علي مدونة النائب محمد العمدة والكثير منها منشور علي موقع جوجل يمكن أن يظهر بكتابة عنوانه ، منها مقالات عن المساعدات العسكرية ، ومنها العديد من المقالات بعنوان " السيسي والعسكر ونهب مصر " .
وكما أن اضطهاد فرعون كان منصبا علي اليهود لاعتقاده أنهم هم الذين سيسلبونه سلطته وثروته ، كذلك كان اضطهاد العسكر منصبا علي الإخوان المسلمين منذ عام 1952 لأنهم كانوا يرون أن الإخوان المسلمين وأنصارهم من التيار الإسلامي هم المؤهلين للوصول للحكم في حالة حدوث التحول الديمقراطي ، أما الآن فإن اضطهاد العسكر وبطشهم موجه للشعب المصري كله ، لأن التحول الديمقراطي أصبح مطلب الشعب بالكامل ، لذلك وسع العسكر البطش والتنكيل والقتل والتلفيق وأحكام الإعدام والمؤبد ليشمل جميع فئات الشعب ، بل ليشمل أيضا النساء والفتيات والطالبات ، وهو الأمر الذي لم يفعله الانجليز في مستعمراتهم ، حسبما تخبرنا كتب التاريخ ، وحسبما صرح الزعيم الهندي العالمي غاندي الذي قال أن الانجليز كان من عادتهم ألا يسيئون لإمرأة .
التاريخ يعيد نفسه والشعب المصري مبتلي من آلاف السنين بحكام مستبدين ، كلما مات فرعون ظهر فرعون أشد وأمر ، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا ، إن كان غضبا ، وآجرنا في مصيبتنا إن كان ابتلاءًا .
وكيل لجنة الشئون الدستورية والتشريعية ببرلمان الثورة .



ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق