الأربعاء، 29 يونيو 2016

مظاهرات يونيه 2013 ومظاهرات مارس 1954 .





الدكتور / عماد أبو غازي وزير الثقافة في وزارة عصام شرف تقول عنه الموسوعة الحرة :
عماد بدر الدين محمود أبو غازي مواليد 3 يناير 1955 القاهرة  ، وزير الثقافة المصري السابق في وزارة عصام شرف ، ونجل بدر الدين أبو غازي وزير الثقافة الأسبق . خاله محمود مختار من أشهر نحاتين مصر.
شغل منصب رئيس مجلس الإدارة المركزية للشعب واللجان بالمجلس الأعلى للثقافة لمدة عشر سنوات في الفترة من 1999 حتى 2009، وتولى أمانة المجلس الأعلى للثقافة من 2009-2011، وقد أختير وزيراً للثقافة بعد قيام ثورة 25 يناير في 5 مارس 2011، غير أنه قدم استقالته في 20 نوفمبر 2011 بسبب سياسة المجلس العسكري في قمع المتظاهرين.
في عام 1976 تخرج من قسم التاريخ ، وبعد أن أدى الخدمة العسكرية حصل على منحة دراسية لدراسة تاريخ العرب الحديث والمعاصر بمعهد البحوث والدراسات العربية التابع لجامعة الدول العربية لمدة عامين ، ثم اتجه بعد ذلك لدراسة الوثائق ، وعمل أثناء ذلك لفترة محدودة في الصحافة ثم في تحقيق المخطوطات ، وبعد أن حصل على درجة الدبلوم في الوثائق من كلية الآداب ، عين معيدا بقسم المكتبات والوثائق ، ونال الماجستير عن وثائق السلطان الأشرف طومان باي سنة 1988، والدكتوراه عن دراسة لوثائق البيع من أملاك بيت المال في عصر المماليك الجراكسة سنة 1995 ، تم اعتقاله عدة مرات أثناء فترة دراسته الجامعية نتيجة انخراطه في العمل السياسي .
من ضمن الأبحاث والمقالات القيمة التي كتبها د / عماد أبو غازي عدد من المقالات بعنوان ( أزمة مارس 1954 والطريق إلى الاستبداد ) ، جمعناها معا في مقال واحد من مدونته نظرا لقيمتها في كشف ألاعيب العسكر والتي تتكرر كما هي كل حين دون أن ينتبه لها الشعب ويحول دون تمريرها ، مظاهرات 30 يونيه 2013م التي دبرها السيسي والمجلس العسكري وأنصارهم من الدولة العميقة وسائر المستفيدين من جمهورية العسكر لاسترداد دولتهم والقضاء علي التجربة الديمقراطية ، كانت خطة مأخوذة عن مظاهرات 28 مارس 1954 التي دبرها الرئيس جمال عبد الناصر بالاشتراك مع مجلس الثورة لكي يصدروا قراراتهم بالقضاء علي الديمقراطية لمدة ستين عام ، ولازلنا نعيش في هذه الديكتاتورية وبذات الخطط ، ومع ذلك لم ننتبه ونأخذ حذرنا .
يقول الدكتور / عماد أبو غازي
( 1 )
مقدمات الأزمة
في مثل هذه الأيام منذ 58 سنة عاشت مصر في أجواء أزمة سياسية كبرى، إنها الأحداث التي عرفت في التاريخ المصري الحديث باسم "أزمة مارس"، والتي بدأ الحديث عن "دروسها" يتردد في الخطاب السياسي في مصر في الأيام الأخيرة. إنها الأزمة التي انتهت قبل أن ينطوي عام 1954 بترسيخ أسس الدولة الشمولية الاستبدادية التي صادرت الحريات السياسية والتي قامت ثورة يناير 2011 لتحيي الآمال في وضع الوطن على أول الطريق لهدم أسسها وبناء الدولة الديمقراطية مكانها، لكن هل ستحقق الثورة هدفها؟  لنحاول أن نقرأ التاريخ معًا ونتعرف على "درس" الماضي.
عندما قام الضباط الأحرار بانقلابهم ليلة الأربعاء 23 يوليو 1952 لم يطرحوا رؤية متكاملة للنظام السياسي للمرحلة التالية، لقد صدرت عدة بيانات عامة تتحدث عن فساد النظام وتأثيره على الجيش، وعن قيام مجموعة من الضباط بتطهير الجيش من الفاسدين، حتى عزل الملك لم يعلن إلا بعد ثلاثة أيام، النص الوحيد المتعلق بالنظام السياسي ورد فيما يعرف بالمبادئ الستة والذي ينص على "إقامة حياة ديمقراطية سليمة"، الأمر الذي لم يتحقق طوال ستين عامًا من عمر النظام الذي جاءت به الحركة المباركة، كما أطلق عليها أصحابها في البداية.
 لكن الأيام والأسابيع الأولى بعد نجاح حركة الضباط الأحرار كشفت عن اتجاه متنامي لهدم النظام القائم على التعددية السياسية وتداول السلطة عبر صناديق الانتخاب، بدلًا من تخليص هذا النظام من عيوبه التي ظهرت طوال العقود الثلاثة السابقة منذ صدور دستور 1923، وأبرز هذه العيوب تعدي القصر على الدستور وخرقه له وتزويره الانتخابات لإبعاد حزب الوفد حزب الأغلبية.
 ويذكر الدكتور عبد العظيم رمضان في دراسته المهمة عن أزمة مارس 1954 والتي صدرت في عام 1976 أن أول خطوة في الطريق إلى الاتجاه الدكتاتوري جاءت في يوليو 1952 بعد عزل فاروق وتنازله عن العرش لابنه الرضيع أحمد فؤاد الثاني، فوفقًا لما يقضي به الدستور كان لابد أن يدعى البرلمان لإقرار تعيين مجلس الوصاية على العرش وأداء الأوصياء لليمين القانونية في اجتماع مشترك لمجلسي البرلمان، وكان حزب الوفد يحظى بالأغلبية في البرلمان المعطل منذ شهور بعد حريق القاهرة، لكن خصوم الوفد من السياسيين القدامى زينوا للضباط الأحرار خرق الدستور وعدم دعوة البرلمان للانعقاد، فدقوا بذلك المسمار الأول في نعش الديمقراطية وقادوا مصر إلى طريق الاستبداد الذي تجاهد اليوم للخروج منه.
ففي 31 يوليو 1952 اتجه مكرم عبيد رئيس حزب الكتلة الوفدية إلى مجلس الوزراء ليلتقي علي ماهر رئيس الوزراء وسليمان حافظ نائب رئيس مجلس الدولة ومستشار مجلس الوزراء مطالبًا بعدم دعوة البرلمان للاجتماع وإجراء انتخابات لبرلمان جديد يختاره الشعب ليقر تشكيل مجلس الوصاية على العرش، وفي اليوم التالي اختارت اللجنة العليا للحزب الوطني فتحي رضوان رئيسًا للحزب، وأعلنت رفضها لدعوة البرلمان باعتباره جزء من النظام الفاسد وإن في دعوته مخالفة للدستور، وذهب الإخوان المسلمون خطوة أبعد حيث اعتبروا أن الدستور لم يعد له وجود من ناحية الواقع ولا من ناحية الفقه، ومن ثم فلا معنى لدعوة البرلمان الوفدي أو أي برلمان آخر، وطالبوا بدستور جديد يستمد مبادئه من مبادئ الإسلام الرشيدة في كافة شئون الحياة.
وعلى صعيد آخر بدأ مجموعة من القانونيين يروجون لما سُمى الفقه الثوري والشرعية الثورية، مبررين بهما عدم دعوة البرلمان المنتخب انتخابًا حرًا ديمقراطيًا، وكان من هؤلاء الدكتور السيد صبري وسليمان حافظ والدكتور عبد الرزاق السنهوري رئيس مجلس الدولة، وكانوا من الخصوم السياسيين للوفد، فانعقدت الجمعية العمومية لقسم الرأي بمجلس الدولة وانتهت إلى عدم دعوة البرلمان وحق الحكومة في إدارة البلاد دون برلمان لأي مدة ترتئيها! وقد صدرت الفتوى بأغلبية تسعة أعضاء ومعارضة عضو واحد هو الدكتور وحيد رأفت.
وبالطبع كان علي ماهر العدو التاريخي للوفد داعمًا لهذا الاتجاه الذي أقره مجلس قيادة الثورة بالأغلبية.
وبين يوليو 1952 ومارس 1954 توالت الخطوات على طريق دولة الاستبداد، بداية من الدعوة في نهاية يوليو 52 لتطهير الأحزاب وصولًا إلى حلها بحجة أنها لم تطهر نفسها كما يجب، مرورا بفض اعتصام عمال كفر الدوار بالقوة ومحاكمة قياداتهم أمام محاكم عسكرية وإعدام عاملين هما مصطفى خميس ومحمد البقري في أغسطس 52.
ثم في سبتمبر بدأت حملة اعتقالات واسعة لعدد من الساسة القدامى، وفي نفس الشهر بدأت إجراءات فصل الموظفين بغير الطريق التأديبي فيما عرف باسم التطهير، وفي ديسمبر أعلن محمد نجيب سقوط دستور 1923، وفي يناير 1953 صدر مرسوم بتأليف لجنة من خمسين عضوًا لوضع دستور جديد "يتفق وأهداف الثورة"، ولم يصدر الدستور.
شهد عام 1953 في شهر يونيو إلغاء الملكية وإعلان الجمهورية، فقد شهد ذلك العام أيضًا، وفي شهر يناير صدور قرار حل الأحزاب السياسية ومصادرة أموالها باستثناء الإخوان المسلمين، وإعلان مرحلة انتقالية تمتد لثلاث سنوات، كما شهد الشهر نفسه تولي مجلس قيادة الثورة بنفسه محاكمة ضابطين من ضباط الجيش بتهمة إثارة الفتنة في القوات المسلحة، والحكم على أحدهما بالإعدام رميًا بالرصاص ثم تخفيف الحكم إلى المؤبد وفصل الثاني من الخدمة، وتكرر المشهد في مارس في محاكمة القائم مقام رشاد مهنا وأحد عشر ضابطًا بنفس التهمة، وفي شهر سبتمبر تم تشكيل محاكم الثورة أول المحاكم الاستثنائية في ظل النظام الجديد.
وفي مطلع عام 1954 بدأت البلاد تدخل في أزمة سياسية جديدة، كانت أول بوادرها انتهاء شهر العسل بين مجلس قيادة الثورة وجماعة الإخوان المسلمين، وصدور قرار مجلس قيادة الثورة في 14 يناير 1954 بحل الجماعة بتهمة التآمر مع رجال السفارة البريطانية، فذاقت الجماعة من نفس الكأس الذي ذاقت منه الأحزاب السياسية، وتم اعتقال أكثر من 400 من أعضائها.
وخلال شهر فبراير 54 ظهر على السطح الخلاف بين الرئيس محمد نجيب وأعضاء مجلس قيادة الثورة من الضباط الشبان، هذا الخلاف الذي تصاعد يوم 23 فبراير، ووصل إلى إعلان قبول استقالة محمد نجيب من جميع مناصبه يوم 25 فبراير 1954، وتعيين جمال عبد الناصر رئيسًا لمجلس قيادة الثورة ورئيسًا لمجلس الوزراء، لكن قبل أن ينتهي شهر فبراير كان محمد نجيب قد عاد مرة أخرى رئيسًا للجمهورية في 27 فبراير 1954.
هذه الأيام الخمسة من شهر فبراير هي التي شكلت أحداث أزمة مارس 54، هذه الأزمة التي حددت مصير مصر لقرابة 60 عامًا باعدت بينها وبين الديمقراطية.
 فما الذي حدث في تلك الأيام الخمسة؟ للحديث بقية...
( 2 )
خمسة أيام في فبراير
خروج الصراع بين عبد الناصر ونجيب إلى العلن
بين 23 و27 فبراير 1954 خرج الخلاف بين الرئيس محمد نجيب ومجلس قيادة الثورة إلى العلن، فطوال عام 1953 كانت رؤية محمد نجيب تبتعد عن رؤية معظم أعضاء مجلس قيادة الثورة في إدارة البلاد، فقد كانت بعض الإجراءات التي اتخذت خلال ذلك العام تزعج نجيب ويرى فيها ابتعادًا بالبلاد عن الديمقراطية، مثل التشريعات التي أعدها سليمان حافظ والتي تبيح إقالة الموظفين عن غير الطريق التأديبي، وتشكيل المحاكم الاستثنائية وما أصدرته من أحكام بحق الساسة المنتمين للأحزاب التي كان قد صدر قرارًا بحلها، كذلك الإجراءات التي اتخذت ضد عدد من ضباط الجيش المختلفين مع القيادة واعتقال بعضهم ومحاكمتهم، وإبعاد البعض ومنهم أعضاء في تنظيم الضباط الأحرار من مواقع تولوها في الحياة المدنية بسبب آرائهم، فقد صدر قرار بعزل أحمد حمروش من رئاسة تحرير مجلة "التحرير" لأنه يساري، وتم اعتقاله بعد ذلك لمدة شهرين في قضية سلاح المدفعية، وقد تولى رئاسة التحرير بعده البكباشي ثروت عكاشة وعُزل أيضا بسبب مقال عن خطة ليلة 23 يوليو لم يذكر فيه اسم صلاح سالم!
وأحس نجيب أن مجلس قيادة الثورة يستبعده تدريجيًا منذ إعلان الجمهورية، وكان رأيه أن يتم استفتاء الشعب على القرار لخطورته، لكن لم يؤخذ برأيه، وتم تعيينه رئيسًا واستبعاده من قيادة الجيش ليحل محله فيها عبد الحكيم عامر، وقد شعر نجيب أن هذا الإجراء أضعف موقفه، وإن رئاسته للجمهورية شكلية بينما سلطة اتخاذ القرارات في يد مجلس قيادة الثورة وجمال عبد الناصر، ويقول نجيب في مذكراته: "لم يغرني ما عرضوه من تعيني رئيسًا للجمهورية وعبد الحكيم عامر قائدًا عامًا للقوات المسلحة، فقد كنت أوثر أن يظل عامر في موقعه مديرًا لمكتبي لشئون القوات المسلحة... وأشهد أني قبلت تحت ضغط وإلحاح استمر ثلاثة أسابيع بعد أن فكرت كثيرًا في الاستقالة، واعترف الآن أن هذا كان خطئي الكبير الذي وقعت فيه، فقد شعرت بعد قليل أنني في مركز أقل قوة بعد أن تركت قيادة الجيش".
ومن المواقف التي يذكرها الرئيس محمد نجيب ويرى فيها تجاوزًا له وتعد على سلطاته، تقديم جمال عبد الناصر باعتباره وزيرًا للداخلية كشفًا بأسماء بعض الزعماء السياسيين الذين رأى اعتقالهم، وقد اعترض نجيب على تحديد إقامة الزعيم مصطفى النحاس الذي ورد اسمه في الكشف وشطب اسمه بيده بعد إقناع مجلس قيادة الثورة، لكنه فوجئ بصدور القرار متضمنًا اسم مصطفى النحاس.
كذلك عقد الاجتماعات بين عبد الناصر وكيرمت روزفلت من المخابرات المركزية الأمريكية في مبنى مجلس قيادة الثورة رغم اعتراضه على ذلك. وشعر نجيب باستهانة أعضاء مجلس قيادة الثورة به، عندما تم تعيين جمال سالم وزيرًا للمواصلات وزكريا محيي الدين وزيرًا للداخلية ليتفرغ عبد الناصر لمنصبه نائبًا لرئيس الوزراء، دون موافقته، وقد رفض الوزيران أداء اليمين أمامه، وفقًا لما ذكره في مذكراته! كما لاحظ نجيب أن أعضاء المجلس يجتمعون بدون حضوره وإذا دخل إلى الاجتماع يتوقفون عن الحديث، الأمر الذي شعر معه بعدم قدرته على التواصل معهم.
وفجر هذا التجاهل الموقف ودفع نجيب لإظهار الخلاف في العلن، ففي يوم 23 فبراير 1953 كان من المقرر عقد اجتماع لمجلس قيادة الثورة، فعلم الرئيس محمد نجيب بذلك فحضر إلى مكتبه في مقر مجلس قيادة الثورة، وطلب إلى أعضاء المجلس الصعود إلى مكتبه للاجتماع به، فلم يجيبوه، وعندما ألح في استدعائهم، جاءه الرد بالاعتذار لعدم اكتمال العدد. هنا قرر نجيب أن يفجر الموقف؛ فكتب استقالته وأرسلها إلى جمال عبد الناصر، وغادر المقر.
 اختلف أعضاء مجلس قيادة الثورة حول الموقف الذي ينبغي أن يتخذوه، رأى البعض إعلان قبول الاستقالة، بينما رأى آخرون إصدار قرار بإقالة الرئيس نجيب، أما خالد محيي الدين فقد رفض قبول الاستقالة مؤكدًا أن هذا قد يؤدي إلى قيام ثورة في البلد، وعندما تأكد له أن الاتجاه السائد قبول الاستقالة، أعلن تقديم استقالته هو الآخر، لكن زملاءه نجحوا في إقناعه بتأجيلها حتى لا يبدو المجلس منقسمًا أمام الرأي العام، فوافق، إلا أنه اعتذار عن التوجه لسلاح الفرسان الذي ينتمي إليه لإقناع ضباطه بالقرار، وقد كان سلاح الفرسان أكثر الأسلحة تأييدًا لنجيب.
وكانت المداولات التي تمت مع ضباط الصف الثاني في تنظيم الضباط الأحرار، ومع عددًا من ضباط الجيش قد انتهت إلى أن هناك ثلاثة بدائل لحل الأزمة: قبول استقالة نجيب، أو تنحي مجلس قيادة الثورة، أو الضغط من أجل التوفيق بين الطرفين والخروج من الأزمة. وقد رفض معظم الضباط البديلين الأول والثاني وألحوا على العمل في اتجاه الحل الثالث الذي كان يبدو مستحيلًا.
 صباح يوم 25 فبراير تم إعلان القرار بقبول استقالة محمد نجيب في بيان طويل مسهب يشرح أسباب القرار، ويروي تاريخ العلاقة بين نجيب وتنظيم الضباط الأحرار، موجها رسالة إلى الشعب مفادها أن نجيب لم يكن من ضمن أعضاء تنظيم الضباط الأحرار، وإن الضباط الشبان اختاروه ليقدموه كقائد للثورة لسمعته الحسنة والطيبة وعدم تلوثه بالفساد. وأكد البيان على أن سبب الخلاف رغبة الرئيس نجيب في زيادة سلطاته والانفراد باتخاذ القرارات، وانتهى البيان إلى إعلان استمرار مجلس قيادة الثورة في تحمل المسئولية بقيادة البكباشي جمال عبد الناصر، وتعيينه رئيسًا لمجلس الوزراء.
ويشير عبد الرحمن الرافعي المعاصر للأحداث في كتابه "ثورة 23 يوليو 1952" إلى أن استقالة نجيب كانت حادثًا مفاجئًا من حوادث الثورة، بما يوحي بأن الصراعات لم تكن ظاهرة على السطح قبل الاستقالة.
 جاء رد الفعل القوي من جانب سلاح الفرسان، فقد تجمع ضباطه بقيادة اليوزباشي أحمد المصري واليوزباشي فاروق الأنصاري والملازم أول محمود حجازي مطالبين بعقد اجتماع للضباط مساء يوم 25 فبراير وحضور حسين الشافعي عضو مجلس قيادة الثورة، لكن عبد الناصر حضر الاجتماع بنفسه، ودار حوار طويل بدأ بالموقف من محمد نجيب، وحذر فيه أحد الضباط السودانيين من أن غياب نجيب سيؤدي إلى فقدان السودان، وامتد إلى مناقشة غياب الديمقراطية، وعندما رد عبد الناصر بأن القرارات تتخذ في مجلس الثورة بأسلوب ديمقراطي، رد أحد الضباط: إن هذا يعتبر حكمًا فرديًا لأنه قاصرًا على مجلس الثورة والشعب لا رأي له. وحذر أحد الضباط من خروج مظاهرات في الشوارع تطالب بعودة نجيب، وتسأل: "ترى لو أن الطلبة خرجت في مظاهرات تطالب بعودة محمد نجيب، هل نصوب بنادقنا إلى صدور الطلبة؟ لا لن نصوب بنادقنا إلى صدور أبناء الشعب". وانتهى الاجتماع بمطلبين: عودة محمد نجيب رئيسًا لجمهورية برلمانية بدون سلطات، واستعجال لجنة إعداد الدستور برئاسة علي ماهر للانتهاء من مهمتها.
وكان هذا أيضا موقف الضباط في الإسكندرية والذي عبر عنه اليوزباشي آمال المرصفي، وقد أكد ضباط الإسكندرية وفقا لرواية أحمد حمروش أنهم لا يمكن أن يقفوا ضد الحرية والديمقراطية التي ينادي بها نجيب.
 وقد نجح عبد الناصر في إقناع أعضاء مجلس الثورة بعودة نجيب على أن يتولى خالد محيي الدين رئاسة الوزارة، وعاد عبد الناصر عند الفجر ومعه خالد محيي الدين إلى سلاح الفرسان، وأعلن قرارات عودة نجيب، وتنحي مجلس قيادة الثورة، وعودة الضباط إلى ثكناتهم، وتولي خالد محيي الدين رئاسة الوزراء، وعودة الحياة النيابية. وقد تخوف ضباط سلاح الفرسان من أن قرار تعيين خالد محيي الدين رئيسًا للوزراء قد يفسر على أنه انقلاب من سلاح الفرسان، فتعهد لهم عبد الناصر بالمرور على الأسلحة وإقناع ضباطها بالقرارات.
 وقد وقع ما تخوف منه ضباط سلاح الفرسان، فبدأ ضباط الأسلحة الأخرى يعلنون احتجاجهم، وقد تزعم الحركة وفقا لرواية أحمد حمروش البكباشي أحمد أنور قائد البوليس الحربي والصاغ مجدي حسنين وقائد الجناح وجيه أباظة واليوزباشية كمال رفعت وحسن التهامي ومحمد أبو الفضل الجيزاوي، والصاغ سعد زايد، وبدا أن الصراع سيتحول إلى صدام بين الأسلحة المختلفة، وتصاعدت دعوات إلى اعتقال خالد محيي الدين باعتباره قد دبر انقلابًا شيوعيًا من خلال سلاح الفرسان، وتوجه بعض الضباط من تلقاء أنفسهم إلى منزل محمد نجيب وقاموا باعتقاله بالتعاون مع عبد المحسن أبو النور الذي كان يتولى قيادة حرس محمد نجيب. اجتمع مجلس الثورة وتعالت الأصوات المطالبة باعتقال خالد محيي الدين أو نفيه، لكن عبد الناصر أكد لهم أن القرار الذي يجب اتخاذه ليس قرارًا بشأن خالد محيي الدين، بل قرار عودة نجيب أم عدم عودته، وتم رفع الاجتماع للراحة مع تفويض عبد الناصر باتخاذ أية قرارات إذا تطورت الأمور بسرعة.
 وأثناء رفع الجلسة للراحة كانت الجماهير تتحرك في الشارع بقيادة الأخوان المسلمين والوفديين والاشتراكيين والشيوعيين في اتجاه ميدان عابدين تهتف لمحمد نجيب وللديمقراطية، واشتبك البوليس الحربي والشرطة مع المتظاهرين عند كوبري قصر النيل لكنهم نجحوا في الوصول إلى ميدان عابدين.
يوم 27 فبراير صدر إعلان قبول نجيب رئاسة جمهورية مصر البرلمانية، مع استمرار جمال عبد الناصر رئيسا للوزراء وتخويله سلطات الحاكم العسكري العام.
حسم الشعب القرار في الشارع، لكن إلى حين.
( 3 )
أيام الديمقراطية الأخيرة
مارس 1954 الشهر الفاصل في تاريخ مصر

وصل الأمر في نهاية شهر فبراير 1954 إلى نقطة أصبحت فيها مصر على شفا صدام عنيف بين أطراف الصراع، أنصار الديمقراطية من ناحية وأنصار الحكم الاستبدادي الذين كانوا يرفعون شعار "استمرار الثورة" من ناحية أخرى، فقد أخذت بوادر الصدام شكلًا خطيرًا عندما حاصرت مجموعات من الأسلحة المختلفة سلاح الفرسان باعتباره الداعم الرئيسي لجناح محمد نجيب ـ خالد محيي الدين، وعندما خرجت المظاهرات الشعبية إلى الشارع واصطدمت بها قوات البوليس الحربي والشرطة وسقط جرحى من الجانبين، ورغم قرار إغلاق الجامعات واعتقال أكثر من مائة من قوى سياسية مختلفة من الإخوان والوفديين والشيوعيين والاشتراكيين وغيرهم فقد استمرت حركة المطالبة بالديمقراطية في تصاعد. وهذا ما اضطر عبد الناصر إلى أن يتجه اتجاهًا جديدًا ويغير من خطته، ويقبل بعودة نجيب لكن دون تولي خالد محيي الدين رئاسة الوزارة مع استمراره هو نفسه في المنصب، لكن إلى حين.

ومع تصاعد الاصطفاف خلف محمد نجيب من معظم القوى التي تدافع عن الديمقراطية، واستمرار محمد نجيب في مهاجمة كل الإجراءات المعادية للديمقراطية، اتخذ مجلس قيادة الثورة مجموعة من القرارات المهمة يومي 4 و5 مارس 1954:
نصت هذه القرارات على اتخاذ الإجراءات فورًا لتشكيل الجمعية التأسيسية بالانتخاب المباشر، على أن تجتمع يوم 23 يوليو 1954 وتتولى مهمة وضع دستور للبلاد، كما تباشر سلطات البرلمان لحين وضع الدستور وانتخاب برلمان جديد، كما تقرر إلغاء الرقابة على الصحف والنشر اعتبارًا من يوم 6 مارس 1954، والتعهد بإنهاء العمل بالأحكام العرفية قبل انتخاب الجمعية التأسيسية.

وفي 8 مارس صدر قرارًا بأن يجمع محمد نجيب مناصب رئيس الجمهورية ورئيس مجلس قيادة الثورة ورئيس مجلس الوزراء، ويعود عبد الناصر نائبًا لرئيس مجلس الوزراء ونائبًا لرئيس مجلس قيادة الثورة، كما صدر مرسوم في نفس اليوم بتعيين نجيب حاكمًا عسكريًا عامًا.

وبصدور قرارات 8مارس بعودة سلطات نجيب كاملة وتقليص دور جمال عبد الناصر بدا الأمر كما لو كان الاتجاه الداعي للديمقراطية قد حقق الانتصار في معركته، وبدأ أعضاء مجلس قيادة الثورة يناقشون مستقبل تنظيم الضباط الأحرار ويدرسون تشكيل حزب جمهوري أو اشتراكي جمهوري، وكان الأكاديمي اليساري الدكتور راشد البراوي يعاونهم في صياغة برنامجه.

وطوال الأيام التالية من شهر مارس كان كل فريق يحشد قواه: معسكر أنصار الديمقراطية الذي يضم عديد من القوى السياسية القديمة وعلى رأسها حزب الوفد، كما يضم الاشتراكيين والشيوعيين وفئات واسعة من المثقفين والمهنيين والأكاديميين وطلاب الجامعات، تمثلهم نقابات الصحفيين والمحامين وجمعيات أعضاء هيئات التدريس بالجامعات والاتحادات الطلابية، كما كانت العديد من النقابات العمالية ضمن هذا التحالف من أجل الديمقراطية.

وعلى الجانب الأخر كانت بعض القوى السياسية القديمة التي كانت تتخذ موقف العداء من حزب الوفد وتخشى من عودة الديمقراطية والحياة النيابية والحزبية حتى لا يسيطر الوفد على الساحة السياسية، وكان هذا الفريق يضم عددًا من رجال القانون الذين مكنوا لرجال يوليو طوال ما يقرب من عاميين من إلغاء الدستور وتجاوز البرلمان المنتخب وروجوا لمقولة "الشرعية الثورية" التي ذبحت الديمقراطية بسكينها.

أما موقف الضباط الأحرار فيلخصه الرئيس محمد نجيب في مذكراته بقوله: "أما الضباط الأحرار، فقد كان البعض منهم يرتبط بمبادئ يقتنع بها، جانب منهم وقف معي، مع الديمقراطية، وتعرض من ذلك لأخطار حرمتهم فيما بعد من حريتهم والأمن في مستقبلهم، وجانب آخر وقف مع جمال عبد الناصر معتقدًا أن موقفي يعتبر تراجعًا عن أهداف الثورة. والبعض منهم لم يكن مرتبطًا بأية مبادئ، كان حريصًا على المحافظة على مصالح نعم بها واستفاد منها، وجانب منهم كان قد تورط في أعمال قذرة جعلتهم يواجهون خطر المحاكمة إذا ذهبت اليد المساندة لهم".

وبدأ المعسكر الديمقراطي يصعد من هجومه مطالبًا بإنهاء الأحكام العرفية فورًا وعودة الجيش إلى ثكناته وابتعاده عن العمل السياسي، والإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين فورًا، وعودة الأحزاب السياسية، وفي نفس الوقت كان نجيب يسعى لإصدار تشريع يتم بمقتضاه استفتاء الشعب على النظام الجمهوري وعلى اختياره لرئاسة الجمهورية في تلك المرحلة الانتقالية، في محاولة منه كما يقول: "للحصول على تفويض شعبي يجعل اتجاهي للديمقراطية ذا صفة شرعية".

ووضع سليمان حافظ المعادي للوفد والدكتور عبد الجليل العمري مشروعًا لنظام الحكم أثناء الفترة الانتقالية تضمن تنظيم العلاقة بين رئيس الجمهورية ومجلس قيادة الثورة، كما تضمن النص على إنهاء الأحكام العرفية في 18 يونيو 1954 ذكرى إعلان الجمهورية، وإجراء انتخابات الجمعية التأسيسية على أساس غير حزبي، وإجراء استفتاء شعبي على إعلان الجمهورية وتعيين الرئيس نجيب وقانون الإصلاح الزراعي، دون تحديد موعد لإجراء الانتخابات أو الاستفتاء.

ومع استمرار الضغوط من المعسكر الديمقراطي من أجل الإسراع بإجراءات العودة للديمقراطية، خاصة في ظل استمرار اعتقال القيادات السياسية وتعرضهم للاعتداءات في السجن الحربي، عقد مجلس قيادة الثورة اجتماعًا في 25 مارس 1954 طرح فيه عبد الناصر مشروع قرار "تصفية الثورة"، واقترح عبد اللطيف بغدادي مشروعًا مضادًا بإلغاء قرارات 5 مارس و"استمرار الثورة" والتوسع في إجراءات التطهير والمحاكمات، بينما اقترح خالد محيي الدين بديلًا ثالثًا بالإبقاء على قرارات 5 مارس وإجراء الانتخابات على أساس غير حزبي وحرمان من طُبق عليهم قانون الإصلاح الزراعي أو شاركوا في إفساد الحياة السياسية أو أيدوا قوانين معادية للحريات من المشاركة، مؤكدًا إن الانتخابات ومعركة الدستور ستفرز قوى سياسية جديدة وأحزابًا جديدة.
 وهنا أصر عبد الناصر على التصويت على واحد من اقتراحين فقط، اقتراحه الذي حصل على ثمانية أصوات، واقتراح بغدادي الذي حصل على أربعة أصوات فقط هي أصوات جمال سالم وصلاح سالم وحسن إبراهيم بالإضافة إلى بغدادي نفسه.

وعندئذ صدرت قرارات 25 مارس 1954، والتي نصت على أن يتم حل مجلس قيادة الثورة يوم 24 يوليو 1954 مع عدم السماح للمجلس بتكوين حزب سياسي، وعلى السماح بقيام الأحزاب، كما نصت على عدم جواز الحرمان السياسي، وعلى إجراء انتخابات الجمعية التأسيسية بحرية كاملة، وأن يكون لها سلطة البرلمان.

لكن هل كان هناك انقسام حقًا داخل مجلس قيادة الثورة؟
 ذهب الدكتور عبد العظيم رمضان في كتابه "عبد الناصر وأزمة مارس 1954" إلى "أن الاقتراحين بتخطيط واحد."، وأظنه كان محقًا تمامًا في ذلك، فقد رأى عبد الناصر وقتها أن المخرج الوحيد من الأزمة أن يصل بالأمور إلى منتهاها، ليستنفر أقصى طاقة القوى الرافضة لعودة الديمقراطية.
 وهذا ما حدث بالفعل في الأيام التالية.
( 4 )

29 مارس أطول انقلاب على الديمقراطية في التاريخ المصري


- كانت القوى المدافعة عن الديمقراطية تشعر أنها أصبحت على مقربة من تحقيق الانتصار، وأن فجرًا جديدًا للديمقراطية في مصر يوشك أن يولد.
- الاتفاق على تحويل الإضراب والاعتصام من تأييد الديمقراطية إلى المطالبة بإلغاء قرارات 5 و25 مارس.
- الإذاعة المصرية شاركت في مؤامرة ضد الديمقراطية بتزوير بيانات باسم النقابات العمالية وإذاعتها في محاولة لإظهار أن الحركة العمالية ضد عودة الديمقراطية.
- محمد نجيب يرفض إعادة الديمقراطية بانقلاب عسكري.
- إرجاء تنفيذ قرارات عودة الديمقراطية إلى حين نهاية فترة الانتقال التي لم تنته إلى الآن!
كان يوما 28 و29 مارس 1954 يومين حاسمين في تاريخ مصر، ففيهما تم القضاء على الحياة الديمقراطية ووضعت أسس الدولة الاستبدادية التي ما زالت قائمة إلى الآن .
كانت القوى المدافعة عن الديمقراطية تشعر أنها أصبحت على مقربة من تحقيق الانتصار، وأن فجرًا جديدًا في مصر يوشك أن يولد ، ديمقراطية بلا ملك ، ديمقراطية تقود إلى تحقيق الاستقلال الكامل وتنهي سبعين عامًا من الوجود البريطاني في مصر ، كان من المقرر أن يكون يوم 28مارس 1954 يومًا للإضراب العام كما قررته نقابة المحامين وتجمعات أعضاء هيئات التدريس بالجامعات المصرية والجبهة الطلابية ، وكان من المعلن أن تنضم إلى الإضراب النقابات العمالية بما فيها نقابة النقل المشترك ، كان الهدف واضحًا إنهاء الحكم العسكري فورًا وعدم الانتظار حتى 24 يوليو 1954، وتشكيل حكومة مدنية انتقالية تجري الانتخابات ، ومحاسبة المسئولين عن الانتهاكات التي تعرض لها المعتقلون في السجن الحربي .
كانت نقابة النقل المشترك هي الطريق لتحقيق كل فريق لهدفه ، فريق أنصار الديمقراطية ، وفريق أنصار الدولة الاستبدادية، كانت هناك اتصالات بين القوى الديمقراطية وقادة نقابة النقل المشترك التي تضم عمال شركات الأتوبيس الكبرى لإقناعهم بالانضمام لحركة الإضرابات العمالية التي ستشترك فيها معظم النقابات العمالية التي كان الاتجاه الغالب فيها تأييد الديمقراطية ، وأهمية هذه النقابة أن إضراب عمالها سيشل حركة المواصلات في العاصمة تمامًا ، لكن رئيس اتحاد نقابات النقل المشترك الصاوي أحمد الصاوي توجه إلى مقر هيئة التحرير والتقى باثنين من ضباط الصف الثاني المسئولين عن النقابات العمالية وهما الصاغ أحمد طعيمة والصاغ إبراهيم الطحاوي وأبلغهما بمحاولات جذب النقابة إلى الإضراب المؤيد لعودة الديمقراطية، وكانت هناك بعض القيادات النقابية الأخرى التي تؤيد ما كان يسمى "استمرار الثورة"، فتم الاتفاق على تحويل الإضراب والاعتصام من تأييد الديمقراطية إلى المطالبة بإلغاء قرارات 5 و25 مارس، وتم اختيار الصاوي أحمد الصاوي زعيمًا للحركة ، ودار اتحاد النقل المشترك  مقرًا لها .
وبالفعل بدأ الاعتصام في السابعة والنصف مساء، وتم استدعاء مجالس إدارات النقابات العمالية لاتخاذ موقف جماعي، إلى هنا والأمر يندرج تحت الصراع السياسي المعتاد الذي تتعدد فيه المواقف وفقًا لمصالح الأطراف المختلفة ، لكن المؤامرة بدأت هنا عندما بدأت الإذاعة المصرية تذيع بيانات صادرة عن النقابات العمالية تعلن فيها الاعتصام والإضراب عن الطعام وعن العمل حتى تتحقق مجموعة من المطالب ؛ أولها عدم السماح بقيام الأحزاب، واستمرار مجلس قيادة الثورة في مباشرة سلطاته حتى يتم جلاء المستعمر، وتشكيل هيئة تمثل النقابات والروابط والاتحادات والجمعيات والمنظمات تساند مجلس قيادة الثورة ، وتعرض عليها قرارته قبل إصدارها ، وأخيرًا عدم الدخول في معارك انتخابية .
المشكلة هنا ليست في محتوى المطالب التي تعني تصفية الحياة الديمقراطية في مصر تمامًا، لكن المشكلة الحقيقية أن النقابات العمالية لم تصدر هذه البيانات ولم توافق عليها بل لم تعرض عليها أصلًا ، وإن الإذاعة المصرية شاركت في مؤامرة ضد الديمقراطية بتزوير بيانات باسم النقابات العمالية وإذاعتها في محاولة لإظهار أن الحركة العمالية ضد عودة الديمقراطية، بخلاف الحقيقة.
الأمر الثاني أن نقابة عمال الترام التي رفضت المشاركة في إضراب لتصفية الديمقراطية بفضل دور العامل النقابي اليساري محمود فرغلي تعرض العاملين فيها وبعض قادتها للاعتداءات، ويروي الدكتور عبد العظيم رمضان تفاصيل ما حدث فيقول : " أمكن إيقاف مركبات الترام بالقوة بواسطة عناصر وقفت في مجموعات في شارع عبد العزيز أمام مبنى دار الاتحاد لقذف المركبات بالطوب وتكسيرها ، وفي العباسية وغيرها، وضرب محمود فرغلي ضربًا مبرحًا بواسطة عناصر عمالية وبوليسية، وفي الساعة الثامنة صباحًا كان الشلل قد شمل جميع وسائل المواصلات ."
وبدأت النقابات العمالية تتنبه للمؤامرة التي تحاك باسمها فأصدرت مجالس إدارات عدد من نقابات العمال التي أذيعت بيانات كاذبة باسمها في الإذاعة المصرية بيانًا تعلن فيه حقيقة موقفها وتنفي ما نسب إليها كذبًا . كما اجتمعت الجمعيات العمومية لجميع نقابات عمال الإسكندرية وأصدرت قرارات بإلغاء الأحكام العرفية فورًا، وحل مجلس قيادة الثورة، وإطلاق الحريات العامة ، والإفراج عن المعتقلين ، واستنكار المحاولات المكشوفة لتسخير بعض النقابات والإفراج عن جميع العمال المعتقلين، وإقامة الاتحاد العام لنقابات عمال الجمهورية ، وقد وقعت البيان عشر نقابات عمالية بالإسكندرية منها نقابة النقل المشترك . وفي نفس الوقت أصدرت نقابات عمال مصر بيانًا رفعته إلى رئيس الجمهورية بتأييد قرارات 25 مارس، والمطالبة بإلغاء الأحكام العرفية، ووقعت على البيان ثلاث عشرة نقابة عمالية وحرفية.
وأصدرت اللجنة التأسيسية السياسية العمالية بمصر بيانًا دعت فيه لتشكيل حكومة مدنية تقود البلاد نحو حياة ديمقراطية سليمة.
إذن كان موقف القطاع الأساسي من الحركة العمالية منحازًا إلى جانب الديمقراطية، لكن المجموعة الصغيرة من القيادات النقابية التي قررت أن تتحالف مع جبهة أعداء الديمقراطية نجحت بمساندة مجموعات من ضباط الصف الثاني في تنظيم الضباط الأحرار من القضاء على إمكانيات تحقيق الديمقراطية في مصر، فقد قام الصاغ مجدي حسنين الذي كان مشرفًا على مشروع مديرية التحرير في تحريك العاملين في المشروع إلى القاهرة للانضمام إلى القوى المعادية للديمقراطية، كذلك تحرك البكباشي أحمد أنور قائد الشرطة العسكرية بثقله ـ كما يذكر عبد العظيم رمضان في كتابه "عبد الناصر وأزمة مارس 1954" ـ ليساعد الحركة بعد أن تردد اسمه في اجتماع الجمعية العمومية للمحامين كمسئول عن الاعتداءات على المعتقلين في السجن الحربي ليحول بأي ثمن دون عودة الحياة الديمقراطية.
وبالفعل تم في يوم 29 مارس توجيه مظاهرة حاشدة إلى مجلس الدولة قامت بالاعتداء بالضرب على رئيس المجلس الدكتور السنهوري الذي كان يرأس اجتماعًا للجمعية العمومية لمجلس الدولة.
في هذا الوقت اقترح أنصار نجيب في الجيش عليه أن يتدخلوا لحسم الموقف بالقوة لصالحه ولصالح عودة الديمقراطية، اقترح عليه ذلك قائد حرسه محمد رياض، كما توافد على منزل الرئيس نجيب أعداد من الضباط المؤيدين له، منهم قائد حامية القاهرة أحمد شوقي، وأبدوا استعدادهم للتحرك ضد مجلس الثورة، لكن نجيب رفض، فقد كان يخشى من صراع داخل الجيش، وفي نفس الوقت لا يرى إعادة الديمقراطية بانقلاب عسكري، كان يراهن على قدرة الشعب وقواه الديمقراطية على حسم المعركة. وهنا كانت الكفة قد رجحت لمعسكر أعداء الديمقراطية فاجتمع مجلس قيادة الثورة يوم 29 مارس 1954 وقرر تحمل المسئولية كاملة مع احتفاظ الرئيس نجيب بمنصبه رئيسًا للجمهورية ورئيسًا لمجلس الوزراء، وجاءت القرارات في صيغة غائمة، تتضمن تشكيل مجلس وطني استشاري يراعى فيه تمثيل الطوائف والهيئات والمناطق المختلفة، وإرجاء تنفيذ قرارات 5 و25 مارس 1954 إلى حين نهاية فترة الانتقال التي لم تنته إلى الآن!
( 5 )
الانتقام من الديمقراطية
يوم 29 مارس 1954، وبعد نجاح إضراب النقل العام، ونجاح خطة إرهاب قضاة مجلس الدولة بالتعدي على رئيسه السنهوري باشا في داخل مقر المجلس، اتخذ مجلس قيادة الثورة قراراته بإرجاء تنفيذ قرارات 5 و25 مارس التي كانت تقضي بعودة الجيش إلى ثكناته وإعادة الحياة الديمقراطية، في الخامسة من صباح 30 مارس أنهى عمال النقل المشترك إضرابهم، وعادت وسائل النقل العام إلى العمل.
 ورغم إحساس نجيب بالهزيمة وبأن استمراره مع الضباط الأحرار لم يعد له محلًا، لكن مجلس قيادة الثورة احتفظ به رئيسًا للجمهورية ورئيسًا للوزراء حتى تتم تصفية القوى الديمقراطية تمامًا، حتى لا يتكرر ما حدث في فبراير 54.
 بعد أيام قليلة بدأ تنفيذ خطة التخلص من كل القوى التي وقفت مدافعة عن الديمقراطية، فقد اجتمع مجلس قيادة الثورة في 5 أبريل واتخذ ستة قرارات؛ القرار الأول: محاسبة المسئولين عن الفساد السياسي في العهود الماضية، وطرق إبعادهم عن العمل في محيط السياسة وحرمان عدد منهم من حقوقه السياسية، وبذلك يضمن مجلس قيادة الثورة التخلص من أبرز القيادات السياسية القديمة.
 وكان الثاني موجهًا للصحافة التي انحاز أغلبها خلال أزمة مارس إلى جانب الديمقراطية، وجاء في عبارة موجزة: "تطهير الصحافة".
 أما القرار الثالث فقد أصاب الجامعات طلابًا وأساتذة، وكانت جامعات مصر الثلاثة قد وقفت في طليعة القوى المدافعة عن الديمقراطية والحرية، فقرر مجلس قيادات الثورة منح سلطات للمسئولين في الجامعات لضمان انتظام الدراسة بها، لتبدأ مرحلة جديدة تصفى فيها الحياة السياسية والفكرية داخل الجامعة لقرابة خمسة عشر عامًا، حين تهب الحركة الطلابية مرة أخرى في فبراير 1968، كما قرر مجلس قيادة الثورة البحث في إصدار قانون لحماية الثورة والأسس التي يقوم عليها المجلس الوطني.
 أما القراران الخامس والسادس فلا علاقة لهما بموضوع الديمقراطية أو "استمرار الثورة"، حيث نص القرار الخامس على إقامة مشروعات هامة لمصلحة مختلف طبقات الشعب، وتنشيط الاقتصاد القومي، والقضاء على الكساد. ونص القرار السادس على اختيار عناصر صالحة في مجالس البلديات، وحل مشكلة المواصلات بالقاهرة!!!
وبغض النظر عن الصيغة الفضفاضة في القرارين الأخيرين، إلا أنهما أسسا لأسلوب ظل النظام يتبعه لسنوات عندما يريد أن يمرر قرارات وقوانين مقيدة للحريات، فإنه يخلطها ببعض القرارات والقوانين التي تبدوا أنها تحقق مطالب جماهيرية أو تخفف من الأعباء على المواطنين، في هذه القرارات نكتشف البذرة الأولى لمنهج الدولة الاستبدادية الجديدة في إيهام الجماهير بإمكانية تحقيق العدالة الاجتماعية إذا تنازلت عن حقوقها الديمقراطية؛ ودائمًا كانت القيود على الحريات تتزايد ومصالح الجماهير وحقوقها تضيع، فلا يمكن أن نقايض الحقوق الاجتماعية بالحرية، فلن تتحقق العدالة الاجتماعية بدون ديمقراطية.
 في يوم 15 أبريل بدأت الخطوات العملية لتصفية الديمقراطية ومصادرة الحريات السياسية في مصر، تلك الخطوات التي فتحت الطريق لبناء الدولة الاستبدادية التي استمرت حتى قامت ثورة 25 يناير 2011، في مواجهة أسس هذه الدولة.
ففي هذا اليوم المشئوم قرر مجلس قيادة الثورة حرمان كل من سبق أن تولى الوظائف العامة في الفترة من 6 فبراير 1942 إلى 23 يوليو 1952 من حق تولي الوظائف العامة وعضوية مجالس إدارات النقابات والهيئات ومن كافة الحقوق السياسية لمدة عشر سنوات، وطال هذا القرار السياسيين من أحزاب الوفد والأحرار الدستوريين والسعديين أما غير المنتمين للأحزاب فتصدر قرارات بحالتهم من مجلس قيادة الثورة، وكان في مقدمة من شملهم القرار: الزعيم مصطفى النحاس ومكرم عبيد وأحمد نجيب الهلالي وفؤاد سراج الدين وإبراهيم فرج ومحمد حسين هيكل وأحمد علي علوبة والشيخ علي عبد الرازق، وإبراهيم عبد الهادي وعبد الرزاق السنهوري، وكان من بين المحرومين من مباشرة الحقوق السياسية ستة من أعضاء اللجنة التي كانت مشكلة لإعداد مشروع دستور للبلاد.
وفي نفس اليوم صدر قرار بحل مجلس نقابة الصحفيين، وتعيين مجلس إداري مؤقت لحين وضع قانون جديد للصحافة، بدعوى أن سبعة من أعضاء المجلس الاثني عشر تقاضوا مبالغ من المصاريف السرية في العهد الماضي، وطال الاتهام عددًا من الصحفيين الوطنيين الذين دافعوا باستماتة عن الديمقراطية طوال العاميين التاليين لانقلاب الضباط الأحرار، منهم حسين أبو الفتح وأبو الخير نجيب وإحسان عبد القدوس وفاطمة اليوسف ومرسي الشافعي وإبراهيم عبده وعبد الرحمن الخميسي وكامل الشناوي، وبدا الأمر كما لو أن الربيع الديمقراطي الذي عاشت فيه مصر بين 5 و29 مارس كان فخًا لاصطياد أنصار الديمقراطية والحرية؛ وبدأت محكمة الثورة وهي محكمة عسكرية استثنائية كانت قد تشكلت في سبتمبر 1953، في محاكمة عددًا من الصحفيين والساسة والضباط المناصرين للديمقراطية، وأصدرت بحقهم أحكامًا بالسجن لمدد متفاوتة، ومن أبرز الصحفيين الذين صدرت بحقهم أحكامًا بالسجن، محمود أبو الفتح وحسين أبو الفتح، وكان الأول خارج البلاد أما الثاني فقد صدر الحكم بسجنه 15 عامًا مع إيقاف التنفيذ، أما أبو الخير نجيب فقد صدر ضده حكمًا بالأشغال الشاقة لمدة 15 سنة والتجريد من شرف المواطنة، لأنه عمد إلى الاتصال بطوائف العمال والطلبة وتحريضهم على التمرد والعصيان، وامتهن الصحافة ولم يلتزم دستورها، كانت الاتهامات فضفاضة وسياسية في المقام الأول، ردًا على فضحه لما جرى مع المعتقلين في السجن الحربي.
 وفي يوم 17 أبريل تخلى نجيب عن رئاسة الوزراء لجمال عبد الناصر، وفي اليوم التالي نزعت سلطات الحاكم العسكري المنصوص عليها في قانون الأحكام العرفية منه وخولت لعبد الناصر، ونص قرار تعيينه حاكمًا عسكريًا على الترخيص له باتخاذ أي إجراء لازم للمحافظة على النظام والأمن في جميع نواحي الجمهورية فوق ما نص عليه القانون.

خلال شهر أبريل جرت محاولة من بعض ضباط الجيش بالتعاون مع بعض الساسة المدنيين للإطاحة بمجلس قيادة الثورة واعتقال جمال عبد الناصر، لكن المحاولة فشلت وتمت محاكمة من قاموا بها محاكمة عسكرية، وصدر الحكم في يونيو على قائد المحاولة الضابط أحمد المصري بالسجن 15 عاما، وفي سبتمبر صدر الحكم على اليوزباشي مصطفى كمال صدقي و20 متهمًا في محاولة انقلابية أخرى اتهم فيها أيضًا عدد من الشيوعيين وبعض أعضاء الأحزاب القديمة التي تم حلها.

 أما القائمقام أحمد شوقي الذي عرض على نجيب القبض على مجلس قيادة الثورة فقد حكم عليه بالسجن عشر سنوات بتهمة إحداث فتنة في الجيش خلال شهر مارس، وأفرج عنه صحيًا. وتم إبعاد الضباط المؤيدين للديمقراطية عن الجيش، كما تم إبعاد خالد محيي الدين الذين كان رمزًا للقوى الديمقراطية خارج البلاد في مهام رسمية لسنوات عدة................
انتهي ما اقتبسناه من مقالات الدكتور / عماد أبو غازي والذي يؤكد لنا أن السيسي كرر ما فعله جمال عبد الناصر ، حيث دبر لمظاهرات 30 يونيه حتي يتخذها ذريعة للانقلاب ، ثم بدأ في تصفية خيرة أبناء مصر بنفس الوسائل وعلي رأسها المحاكمات الجائرة التي تصدر دون توقف من القضاء العادي والعسكري معا .
إن سكوت الشعب المصري وتقاعسه عن المقاومة من أجل الديمقراطية عام 1954م ترتب عليه استمرار حكم العسكر حتي الآن ، أي لمدة زادت عن الستين عام ، فهل سيسمح المصريون لذات الخطة أن تستمر وتثبت حكم العسكر لمائة عام قادمة ؟
أعتقد أننا جميعا مطالبون بالإجابة عن هذا السؤال الأيام القادمة .
وكيل لجنة الشئون الدستورية والتشريعية ببرلمان الثورة .

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق